تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة ، فثبت أن المطلق لا يفيد العموم . السؤال الرابع : الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره ، والقرآن ليس كذلك ، فإن المفسرين ما يذكرون آية إلا وذكروا فيها أقوالًا كثيرة متعارضة ، وما يكون كذلك لا يكون مبيناً في نفسه فضلًا عن أن يكون مبيناً لغيره ، فكيف يكون هدى ؟ قلنا : من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المتعارضة ، ولا يرجح واحداً منها على الباقي يتوجه عليه هو هذا السؤال ، وأما نحن فقد رجحنا واحداً على البواقي بالدليل فلا يتوجه علينا هذا السؤال . المسألة الرابعة : قال صاحب « الكشاف » : محل
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
الرفع ، لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع
لا رَيْبَ فِيهِ
ل
ذلِكَ
، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المتقدم خبراً عنه ، ويجوز أن ينصب على الحال ، والعامل فيه الإشارة ، أو الظرف ، والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أن يضرب عن هذا المجال صفحاً ، وأن يقال : إن قوله :
ألم
جملة برأسها ، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها ، و
ذلِكَ الْكِتابُ
جملة ثانية ، و
لا رَيْبَ فِيهِ
ثالثة و
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض ، والثانية متحدة بالأولى وهلم جراً إلى الثالثة ، والرابعة . بيانه : أنه نبه أولًا على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال / فكان تقرير الجهة التحدي ، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة بكماله ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله ، ثم لم يخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر - الذي هو هدى - موضع الوصف الذي هو هادٍ ، وإيراده منكراً .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 3 ]

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) اعلم أن فيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة ، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون ، أو هم الذين ، وإما منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب
أُولئِكَ عَلى هُدىً
فإذا كان موصولًا كان الوقف على المتقين حسناً غير تام ، وإذا كان منقطعاً كان وقفاً تاماً . المسألة الثانية : قال بعضهم :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين ، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلًا للحسنات وتاركاً للسيئات ، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب - وهو قوله :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
- وإما أن يكون فعل الجوارح ، وأساسه الصلاة والزكاة والصدقة ، لأن العبادة إما أن تكون بدنية وأجلها الصلاة ، أو مالية ، وأجلها الزكاة ، ولهذا سمى الرسول عليه السلام : « الصلاة عماد الدين ، والزكاة قنطرة الإسلام » وأما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله تعالى :
إِنَّ
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 269 | فخر الدين الرازي