يوجب الإتيان بما لا نهاية له ، وذلك ليس في وسعك ، إلا أنك إذا عرفت هذه الحالة فقد شاهدت عجزك واعترفت بقصورك فأنا أعينك على الطاعة وأعلمك كيفية الخوض فيها فقل : ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) . النكتة الرابعة : أن سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك ، ثم أن أجل الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن ، لأن من قرأ القرآن ونوى به عبادة الرحمن وتفكر في وعده ووعيده وآياته وبيناته ازدادت رغبته في الطاعات ورهبته عن المحرمات ، فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم الطاعات ، فلا جرم كان سعي الشيطان في الصد عنه أبلغ ، وكان احتياج العبد إلى من يصونه عن شر الشيطان أشد ، فلهذه الحكمة اختصت قراءة القرآن بالاستعاذة . النكتة الخامسة : الشيطان عدو الإنسان كما قال تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[ فاطر : 6 ] والرحمن مولى الإنسان وخالقه ومصلح مهماته ثم إن الإنسان عند شروعه في الطاعات والعبادات خاف العدو فاجتهد في أن يتحرى مرضاة مالكه ليخلصه من زحمة ذلك العدو ، فلما وصل الحضرة وشاهد أنواع البهجة والكرامة نسي العدو وأقبل بالكلية على خدمة الحبيب ، فالمقام الأول : هو الفرار وهو قوله : ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) والمقام الثاني : وهو الاستقرار في حضرة الملك الجبار فهو قوله : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) . النكتة السادسة : قال تعالى :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[ الواقعة : 79 ] فالقلب لما تعلق بغير اللّه واللسان لما جرى بذكر غير اللّه حصل فيه نوع من اللوث ، فلا بد من استعمال الطهور ، فلما قال :
أَعُوذُ بِاللَّهِ
حصل الطهور ، فعند ذلك يستعد للصلاة الحقيقة وهي ذكر اللّه تعالى فقال :
بِسْمِ اللَّهِ *
. النكتة السابعة : قال أرباب الإشارات : لك عدوان أحدهما ظاهر والآخر باطن ، وأنت مأمور بمحاربتهما قال تعالى في العدو الظاهر :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
[ التوبة : 29 ] وقال في العدو الباطن :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[ فاطر : 6 ] فكأنه تعالى قال : إذا حاربت عدوك الظاهر كان مددك الملك ، كما قال تعالى :
يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ
[ آل عمران : 125 ] وإذا حاربت عدوك الباطن كان مددك الملك كما قال تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ *
[ الحجر : 42 ] وأيضا فمحاربة العدو الباطن أولى من محاربة العدو الظاهر ، لأن العدو الظاهر إن وجد فرصة ففي متاع الدنيا ، والعدو الباطن إن وجد فرصة ففي الدين واليقين ، وأيضا فالعدو الظاهر إن غلبنا كنا مأجورين ، والعدو الباطن إن غلبنا كنا مفتونين ، وأيضا فمن قتله العدو الظاهر كان شهيدا ، ومن قتله العدو الباطن كان طريدا ، فكان الاحتراز عن شر العدو الباطن أولى ، وذلك لا يكون إلا بأن يقول الرجل بقلبه ولسانه ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) . النكتة الثامنة : إن قلب المؤمن أشرف البقاع ، فلا تجد ديارا طيبة ولا بساتين عامرة ولا رياضا ناضرة إلا وقلب المؤمن أشرف منها ، بل قلب المؤمن كالمرآة في الصفاء ، بل فوق المرآة ، لأن المرآة إن عرض عليها حجاب لم ير فيها شيء وقلب المؤمن لا يحجبه السماوات السبع والكرسي والعرش كما قال تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر : 10 ] بل القلب مع جميع هذه الحجب يطالع جلال الربوبية ويحيط علما بالصفات الصمدية ، ومما يدل على أن القلب أشرف البقاع وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام قال :
« القبر روضة من رياض الجنة » وما ذاك إلا أنه صار مكان عبد صالح ميت ، فإذا كان القلب / سريرا لمعرفة اللّه