تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
[ آل عمران : 38 ] ، و
رَبِّ أَرِنِي *
[ الأعراف : 143 ] والسبب فيه أن الرد من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد وأيضاً العبادة خدمة ، والخدمة في الحضور أولى . الوجه الثالث : أن من أول السورة إلى قوله إياك نعبد ثناء ، والثناء في الغيبة أولى ، ومن قوله إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة دعاء ، والدعاء في الحضور أولى . الوجه الرابع : العبد لما شرع في الصلاة وقال نويت أن أصلي تقرباً إلى اللّه فينوي حصول القربة ، ثم إنه ذكر بعد هذه النية أنواعاً من الثناء على اللّه ، فاقتضى كرم اللّه إجابته في تحصيل تلك القربة ، فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، فقال : إياك نعبد وإياك نستعين .

الفصل السادس في قوله وإياك نستعين

معنى قوله :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
: اعلم أنه ثبت بالدلائل العقلية أنه لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمة اللّه ، ولا قوة على طاعة اللّه إلا بتوفيق اللّه ، ويدل عليه وجوه من العقل والنقل ، أما العقل فمن وجوه : الأول : أن القادر متمكن من الفعل والترك على السوية ، فما لم يحصل المرجح لم يحصل الرجحان ، وذلك المرجح ليس من العبد ، وإلا لعاد في الطلب ، فهو من اللّه تعالى ، فثبت أن العبد لا يمكنه الإقدام على الفعل إلا بإعانة اللّه . الثاني : أن جميع الخلائق يطلبون الدين الحق والاعتقاد الصدق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب ، ففوز البعض بدرك الحق لا يكون إلا بإعانة معين ، وما ذاك المعين إلا اللّه تعالى ، لأن ذلك المعين لو كان بشراً أو ملكاً لعاد الطلب فيه . الثالث : أن الإنسان قد يطالب بشيء مدة مديدة ولا يأتي به ، ثم في أثناء حال أو وقت يأتي به ويقدم عليه ، ولا يتفق له تلك الحالة إلا إذا وقعت داعية جازمة في قلبه تدعوه إلى ذلك الفعل ، فإلقاء تلك الداعية في القلب وإزالة الدواعي المعارضة لها ليست إلا من اللّه تعالى ، ولا معنى للإعانة إلا ذلك . وأما النقل فيدل عليه آيات : أولاها : قوله وإياك نستعين ، وثانيتها : قوله :
اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ
[ الأعراف : 128 ] وقد اضطربت الجبرية والقدرية في هذه الآية : أما الجبرية فقالوا : لو كان العبد مستقلًا بالفعل لما كان للاستعانة على الفعل فائدة ، وأما القدرية فقالوا الاستعانة إنما تحسن لو كان العبد متمكناً من أصل الفعل ، فتبطل الإعانة من الغير ، أما إذا لم يقدر على الفعل لم تكن للاستعانة فائدة . وعندي أن القدرة لا تؤثر في الفعل إلا مع الداعية الجازمة ، فالإعانة المطلوبة عبارة عن خلق الداعية الجازمة ، وإزالة الداعية الصارفة ولنذكر ما في هذه الكلمة من اللطائف والفوائد : - الفائدة الأولى : لقائل أن يقول : الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع في العمل وهاهنا ذكر قوله إياك نعبد ثم ذكر عقيبه وإياك نستعين ، فما الحكمة فيه ؟ الجواب من وجوه : الأول : كأن المصلي يقول : شرعت في العبادة فأستعين بك في إتمامها ، فلا تمنعني من إتمامها بالموت ولا بالمرض ولا بقلب الدواعي وتغيرها . الثاني : كأن الإنسان يقول : يا إلهي إني أتيت بنفسي إلا أن لي قلباً يفر مني ، فأستعين بك في