تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
النفي على مسمى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفاتحة ليست جزءا من الصلاة ، وهذا هو أول المسألة ، فثبت أن على قولنا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره . الثالث : هب أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره ، إلا أنهم أجمعوا على أنه متى تعذر العمل بالحقيقة وحصل للحقيقة مجازان : أحدهما : أقرب إلى الحقيقة . والثاني : أبعد فإنه يجب حمل اللفظ على المجاز الأقرب ، إذا ثبت هذا فنقول : المشابهة بين المعدوم وبين الموجود الذي لا يكون صحيحاً أتم من المشابهة بين المعدوم وبين الموجود الذي يكون صحيحاً لكنه لا يكون كاملًا ، فكان حمل اللفظ على نفي الصحة أولى . الوجه الرابع : أن الحمل على نفي الصحة أولى لوجوه : أحدها : أن الأصل إبقاء ما كان على ما كان ، والثاني : أن جانب الحرمة راجح ، والثالث : أن هذا أحوط . الحجة السابعة : عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ، غير تمام ، قالوا : الخداج هو النقصان ، وذلك لا يدل على عدم الجواز ، قلنا : بل هذا يدل على عدم الجواز ، لأن التكليف بالصلاة قائم ، والأصل في الثابت البقاء ، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بالصلاة على صفة الكمال ، فعند الإتيان بها على سبيل النقصان وجب أن لا نخرج عن العهدة ، والذي يقوي هذا أن عند أبي حنيفة يصح الصوم في يوم العيد إلا أنه لو صام يوم العيد قضاء عن رمضان لم يصح ، قال : لأن الواجب عليه هو الصوم الكامل ، والصوم في هذا اليوم ناقص ، فوجب أن لا يفيد هذا القضاء الخروج عن العهدة ، وإذا ثبت هذا فنقول : فلم لم يقل بمثل هذا الكلام في هذا المقام . الحجة الثامنة : نقل الشيخ أبو حامد في « تعليقه » عن ابن المنذر أنه روى بإسناده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب » . والحجة التاسعة : روى رفاعة بن مالك أن رجلا دخل المسجد وصلى ، فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر إلى أن قال الرجل : علمني الصلاة يا رسول اللّه ، فقال عيله الصلاة والسلام : « إذا توجهت إلى القبلة فكبر ، واقرأ بفاتحة الكتاب » ، وجه الدليل أن هذا أمر ، والأمر للوجوب ، وأيضاً الرجل قال : علمني الصلاة ، فكل ما ذكره الرسول صلى اللّه عليه وسلم وجب أن يكون من الصلاة ، فلما ذكر قراءة الفاتحة وجب أن تكون قراءة الفاتحة جزءا من أجزاء الصلاة . الحجة العاشرة : روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « ألا أخبركم بسورة ليس في / التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها » ، قالوا : نعم ، قال : « فما تقرءون في صلاتكم ؟ » قالوا : الحمد للّه رب العالمين ، فقال : « هي هي » ، وجه الدليل أنه عليه الصلاة والسلام لما قال : ما تقرءون في صلاتكم فقالوا : الحمد للّه ، وهذا يدل على أنه كان مشهوراً عند الصحابة أنه لا يصلي أحد إلا بهذه السورة ، فكان هذا إجماعاً معلوماً عندهم . الحجة الحادية عشرة : التمسك بقوله تعالى :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
[ المزمل : 20 ] وجه الدليل أن قوله « فاقرؤا » أمر ، والأمر للوجوب ، فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة ، فنقول : المراد بما تيسر من القرآن إما أن يكون هو الفاتحة أو غير الفاتحة ، أو المراد التخيير بين الفاتحة وبين غيرها والأول : يقتضي أن تكون الفاتحة بعينها واجبة ، وهو المطلوب ، والثاني : يقتضي أن تكون قراءة غير الفاتحة واجبة علينا ، وهو باطل بالإجماع ، والثالث : يقتضي أن يكون المكلف مخيراً بين قراءة الفاتحة وبين قراءة غيرها ، وذلك باطل بالإجماع ، لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها ، وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة