اعلم أن أحوال هذا العالم ممزوجة بالخير والشر ، والمحبوب والمكروه ، وهذه المعاني ظاهرة لا شك فيها ، إلا أنا نقول : الشر وإن كان كثيراً إلا أن الخير أكثر ، والمرض وإن كان كثيراً إلا أن الصحة أكثر منه والجوع وإن كان كثيراً إلا أن الشبع أكثر منه ، وإذا كان الأمر كذلك فكل عاقل اعتبر أحوال نفسه فإنه يجدها دائماً في التغيرات والانتقال من حال إلى حال ، ثم إنه يجد الغالب في تلك التغيرات هو السلامة والكرامة والراحة والبهجة ، أما الأحوال المكروهة فهي وإن كانت كثيرة إلا أنها أقل من أحوال اللذة والبهجة والراحة ، إذا عرفت هذا فنقول أن تلك التغيرات لأجل أنها تقتضي حدوث أمر بعد عدمه تدل على وجود الإله القادر ، ولأجل أن الغالب فيها الراحة والخير تدل على أن ذلك الإله رحيم محسن كريم ، أما دلالة التغيرات على وجود الإله فلأن الفطرة السليمة تشهد بأن كل شيء وجد بعد العدم فإنه لا بد له من سبب ، ولذلك فإنا إذا سمعنا أن بيتاً حدث بعد أن لم يكن فإن صريح العقل شاهد بأنه لا بد له من فاعل تولى بناء ذلك البيت ، ولو أن إنساناً شككنا فيه لم نتشكك ، فإنه لا بد وأن يكون فاعل تلك الأحوال المتغيرة قادراً ، إذا لو كان موجباً بالذات لدام الأثر بدوامه ، فحدوث الأثر بعد عدمه يدل على وجود مؤثر قادر ، وأما دلالة تلك التغيرات على كون المؤثر رحيماً محسناً ، فلأنا بينا أن الغالب في تلك التغيرات هو الراحة والخير والبهجة والسلامة ، ومن كان غالب أفعاله راحة وخيراً وكرامة وسلامة كان رحيماً محسناً ، ومن كان كذلك كان مستحقاً للحمد ، ولما كانت هذه الأحوال معلومة لكل أحد وحاضرة في عقل كل أحد عاقل كان موجب حمد اللّه وثنائه حاضراً في عقل كل أحد ، فلهذا السبب علمهم كيفية الحمد فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
ولما نبه على هذا المقام نبه على مقام آخر أعلى وأعظم من الأول ، وكأنه قيل : لا ينبغي أن تعتقد أن الإله الذي اشتغلت بحمده هو إلهك فقط ، بل هو إله كل العالمين ، وذلك لأنك إنما حكمت بافتقار نفسك إلى الإله لما حصل فيك من الفقر والحاجة والحدوث والإمكان / وهذه المعاني قائمة في كل العالمين ، فإنها محل الحركات والسكنات وأنواع التغيرات ، فتكون علة احتياجك إلى الإله المدبر قائمة فيها ، وإذا حصل الاشتراك في العلة وجب أن يحصل الاشتراك في المعلول ، فهذا يقتضي كونه رباً للعالمين ، وإلهاً للسموات والأرضين ، ومدبراً لكل الخلائق أجمعين ، ولما تقرر هذا المعنى ظهر أن الموجود الذي يقدر على خلق هذه العوالم على عظمتها ويقدر على خلق العرش والكرسي والسماوات والكواكب لا بد وأن يكون قادراً على إهلاكها ، ولا بد وأن يكون غنياً عنها ، فهذا القادر القاهر الغني يكون في غاية العظمة والجلال ، وحينئذ يقع في قلب العبد أني مع نهاية ذلتي وحقارتي كيف يمكنني أن أتقرب إليه ، وبأي طريق أتوسل إليه ، فعند هذا ذكر اللّه ما يجري مجرى العلاج الموافق لهذا المرض ، فكأنه قال : أيها العبد الضعيف ، أنا وإن كنت عظيم القدرة والهيبة والإلهية إلا أني مع ذلك عظيم الرحمة ، فأنا الرحمن الرحيم وأنا مالك يوم الدين ، فما دمت في هذه الحياة الدنيا لا أخليك عن أقسام رحمتي وأنواع نعمتي وإذا مت فأنا مالك يوم الدين ، لا أضيع عملًا من أعمالك ، فإن أتيتني بالخير قابلت الخير الواحد بما لا نهاية له من الخيرات ، وإن أتيتني بالمعصية قابلتها بالصفح والإحسان والمغفرة .
ثم لما قرر أمر الربوبية بهذا الطريق أمره بثلاثة أشياء : أولها : مقام الشريعة ، وهو أن يواظب على الأعمال الظاهرة ، وهو قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وثانيها : مقام الطريقة ، وهو أن يحاول السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، فيرى عالم الشهادة كالمسخر لعالم الغيب ، فيعلم أنه لا يتيسر له شيء من الأعمال الظاهرة إلا بمدد