تعالى ، وأما المتيقن / فهو مشتق من يقن الماء في الحوض إذا اجتمع فيه ، فاليقين هو العلم الذي حصل بسبب تعاقب الأمارات الكثيرة وترادفها حتى بلغ المجموع إلى إفادة الجزم ، وذلك في حق اللّه تعالى محال وأما التبيين فهو عبارة عن الظهور بعد الخفاء ، وذلك لأن التبيين مشتق من البينونة والإبانة وهي عبارة عن التفريق بين أمرين متصلين ، فإذا حصل في القلب اشتباه صورة بصورة ثم انفصلت إحداهما عن الأخرى فقد حصلت البينونة ، فلهذا السبب سمي ذلك بياناً وتبييناً ، ومعلوم أن ذلك في حق اللّه تعالى محال .
واحتج القائلون بأنه لا حاجة إلى التوقيف بوجوه : الأول : أن أسماء اللّه وصفاته مذكورة بالفارسية وبالتركية وبالهندية ، وإن شيئاً منها لم يرد في القرآن ولا في الأخبار ، مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها . الثاني : أن اللّه تعالى قال :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها
[ الأعراف : 180 ] والاسم لا يحسن إلا لدلالته على صفات المدح ونعوت الجلال ، فكل اسم دل على هذه المعاني كان اسماً حسناً ، فوجب جواز إطلاقه في حق اللّه تعالى تمسكاً بهذه الآية . الثالث : أنه لا فائدة في الألفاظ إلا رعاية المعاني ، فإذا كانت المعاني صحيحة كان المنع من إطلاق اللفظة المعينة عبثاً ، وأما الذي قاله الشيخ الغزالي رحمة اللّه تعالى عليه فحجته أن وضع الاسم في حق الواحد منا يعد سوء أدب ، ففي حق اللّه أولى ، أما ذكر الصفات بالألفاظ المختلفة فهو جائز في حقنا من غير منع ، فكذلك في حق البارئ تعالى .
المسألة الثانية : اعلم أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على صفات لا يمكن إثباتها في حق اللّه تعالى ، ونحن نعد منها صوراً ، فأحدها : الاستهزاء ، قال تعالى :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : 15 ] ثم أن الاستهزاء جهل ، والدليل عليه أن القوم لما قالوا لموسى عليه السلام
أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ البقرة : 67 ] وثانيها : المكر ، قال تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
[ آل عمران : 54 ] وثالثها : الغضب قال تعالى :
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
[ الفتح : 6 ] ورابعها : التعجب ، قال تعالى :
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
[ الصافات : 12 ] فمن قرأ عجبت بضم التاء كان التعجب منسوباً إلى اللّه ، والتعجب عبارة عن حالة تعرض في القلب عند الجهل بسبب الشيء ، وخامسها : التكبر ، قال تعالى :
الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[ الحشر : 23 ] وهو صفة ذم ، وسادسها : الحياء ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
[ البقرة : 26 ] والحياء عبارة عن تغير يحصل في الوجه والقلب عند فعل شيء قبيح .
واعلم أن القانون الصحيح في هذه الألفاظ أن نقول : لكل واحد من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية ، وآثار تصدر عنها في النهاية ، مثاله أن الغضب حالة تحصل في / القلب عند غليان دم القلب وسخونة المزاج ، والأثر الحاصل منها في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه ، فإذا سمعت الغضب في حق اللّه تعالى فاحمله على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض ، وقس الباقي عليه .
بيان أن أسماء اللّه لا تحصى :
المسألة الثالثة : [ بيان أن أسماء اللّه لا تحصى ] رأيت في بعض « كتب التذكير » أن للّه تعالى أربعة آلاف اسم : ألف منها في القرآن والأخبار الصحيحة وألف منها في التوراة ، وألف في الإنجيل ، وألف في الزبور ويقال : ألف آخر في اللوح المحفوظ ، ولم يصل ذلك الألف إلى عالم البشر ، وأقول : هذا غير مستبعد ، فإنا بينا أن أقسام صفات اللّه بحسب السلوب والإضافات غير متناهية ، ونبهنا على تقرير هذا الموضع وشرحناه شرحاً بليغاً ، بل نقول : كل