عن ابن أبي مليكة ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك " قالت : فقلت : يا رسول الله
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً
فقال : " ذلك العرض ، ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك " . وقوله :
وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً
يقول : وينصرف هذا المحاسب حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً
قال : إلى أهل أعد الله لهم الجنة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ . . .
فِي أَهْلِهِ
يقول تعالى ذكره : وأما من أعطي كتابه منكم أيها الناس يومئذ وراء ظهره ، وذلك أن جعل يده اليمنى إلى عنقه ، وجعل الشمال من يديه وراء ظهره ، فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره ، ولذلك وصفهم جل ثناؤه أحيانا ، أنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم ، وأحيانا أنهم يؤتونها من وراء ظهورهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمر ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ
قال : يجعل يده من وراء ظهره . وقوله :
فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً
يقول : فسوف ينادي بالهلاك ، وهو أن يقول : وا ثبوراه ، وا ويلاه ، وهو من قولهم : دعا فلان لهفه : إذا قال : وا لهفاه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . وقد ذكرنا معنى الثبور فيما مضى بشواهده ، وما فيه من الرواية . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
يَدْعُوا ثُبُوراً
قال : يدعو بالهلاك . وقوله :
وَيَصْلى سَعِيراً
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء مكة والمدينة والشام : " ويصلى " بضم الياء وتشديد اللام ، بمعنى : أن الله يصليهم تصلية بعد تصلية ، وإنضاجة بعد إنضاجة ، كما قال تعالى : نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ، واستشهدوا لتصحيح قراءتهم ذلك كذلك بقوله
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
وقرأ ذلك بعض المدنيين وعامة قراء الكوفة والبصرة :
وَيَصْلى
بفتح الياء وتخفيف اللام ، بمعنى : أنهم يصلونها ويردونها ، فيحترقون فيها ، واستشهدوا لتصحيح قراءتهم ذلك كذلك ، بقول الله :
يَصْلَوْنَها *
و
إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ
. والصواب من القول في ذلك عندي : أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله :
إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً
يقول تعالى ذكره : إنه كان في أهله في الدنيا مسرورا ، لما فيه من خلافه أمر الله ، وركوبه معاصيه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً
: أي في الدنيا .
وقوله :
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ
يقول تعالى ذكره : إن هذا الذي أوتي كتابه وراء ظهره يوم القيامة ، ظن في الدنيا أن لن يرجع إلينا ، ولن يبعث بعد مماته ، فلم يكن يبالي ما ركب من المآثم ، لأنه لم يكن يرجو ثوابا ، ولم يكن يخشى عقابا ؛ يقال منه : حار فلان عن هذا الأمر : إذا رجع عنه ، ومنه الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه : " اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور " يعني بذلك : من الرجوع إلى الكفر ، بعد الإيمان . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال