وينصرف ، ففعل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني أبو صخر ، قال : ثني أبو معاوية البجلي ، عن سعيد بن جبير أنه قال : كانت هذه الآية ، يعني قوله :
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
يوم الحديبية ، أتاه جبريل عليه السلام فقال : انحر وارجع ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخطب خطبة الفطر والنحر ، ثم ركع ركعتين ، ثم انصرف إلى البدن فنحرها ، فذلك حين يقول :
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فصل وادع ربك وسله . ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن ثابت ، عن الضحاك
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
قال : صل لربك وسل . وكان بعض أهل العربية يتأول قوله :
وَانْحَرْ
واستقبل القبلة بنحرك . وذكر أنه سمع بعض العرب يقول : منازلهم تتناحر : أي هذا بنحر هذا : أي قبالته . وذكر أن بعض بني أسد أنشده :
أبا حكم هل أنت عم مجالد * وسيد أهل الأبطح المتناحر
أي ينحر بعضه بعضا . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب : قول من قال : معنى ذلك : فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة ، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان ، شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له ، وخصك به ، من إعطائه إياك الكوثر .
وإنما قلت : ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك ، لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بما أكرمه به من عطيته وكرامته ، وإنعامه عليه بالكوثر ، ثم أتبع ذلك قوله :
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
، فكان معلوما بذلك أنه خصه بالصلاة له ، والنحر على الشكر له ، على ما أعلمه من النعمة التي أنعمها عليه ، بإعطائه إياه الكوثر ، فلم يكن لخصوص بعض الصلاة بذلك دون بعض ، وبعض النحر دون بعض ، وجه ، إذ كان حثا على الشكر على النعم . فتأويل الكلام إذن : إنا أعطيناك يا محمد الكوثر ، إنعاما منا عليك به ، وتكرمة منا لك ، فأخلص لربك العبادة ، وأفرد له صلاتك ونسكك ، خلافا لما يفعله من كفر به ، وعبد غيره ، ونحر للأوثان . وقوله :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
يعني بقوله جل ثناؤه :
إِنَّ شانِئَكَ
إن مبغضك يا محمد وعدوك
هُوَ الْأَبْتَرُ
يعني بالأبتر : الأقل والأذل المنقطع دابره ، الذي لا عقب له .
واختلف أهل التأويل في المعني بذلك ، فقال بعضهم : عني به العاص بن وائل السهمي . ذكر من قال ذلك :
حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
يقول : عدوك . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
قال : هو العاص بن وائل . حدثنا ابن بشار ، قال :
ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن هلال بن خباب ، قال : سمعت سعيد بن جبير يقول :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
قال : هو العاص بن وائل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن هلال ، قال : سألت سعيد بن جبير ، عن قوله :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
قال : عدوك العاص بن وائل انبتر من قومه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال :
ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
قال : العاص بن وائل ، قال : أنا شانئ محمد ، ومن شنأه الناس فهو الأبتر . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال :
ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
قال : هو العاص بن وائل ، قال : أنا شانئ محمدا ، وهو أبتر ، ليس له عقب ، قال الله :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
قال قتادة : الأبتر : الحقير الدقيق الذليل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
هذا العاص بن وائل ، بلغنا