تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩

[ تفسير سورة البينة ]

القول في تأويل قوله تعالى :
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ . . .
فِيها كُتُبٌ
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ
فقال بعضهم : معنى ذلك : لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل ، والمشركون من عبدة الأوثان
مُنْفَكِّينَ
يقول : منتهين ، حتى يأتيهم هذا القرآن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
مُنْفَكِّينَ
قال : لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله
مُنْفَكِّينَ
قال : منتهين عما هم فيه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ
أي هذا القرآن . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله :
وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ
قال : لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم ؛ ذلك المنفك . وقال آخرون : بل معنى ذلك أن أهل الكتاب وهم المشركون ، لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم ، حتى بعث ، فلما بعث تفرقوا فيه . وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال : معنى ذلك : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد ، حتى تأتيهم البينة ، وهي إرسال الله إياه رسولا إلى خلقه ، رسول من الله . وقوله :
مُنْفَكِّينَ
في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر ، ولذلك صلح بغير خير ، ولو كان بمعنى ما زال ، احتاج إلى خبر يكون تماما له ، واستؤنف قوله
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ
وهي نكرة على البينة ، وهي معرفة ، كما قيل :
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ
فقال : حتى يأتيهم بيان أمر محمد أنه رسول الله ، ببعثه الله إياه إليهم ، ثم ترجم عن البينة ، فقال : تلك البينة
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً
يقول : يقرأ صحفا مطهرة من الباطل
فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
يقول : في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة ، ليس فيها خطأ ، لأنها من عند الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً
يذكر القرآن بأحسن الذكر ، ويثني عليه بأحسن الثناء . وقوله :
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
يقول : وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فكذبوا به ، إلا من بعد ما جاءتهم البينة ، يعني : من بعد ما جاءت هؤلاء اليهود والنصارى
الْبَيِّنَةُ
يعني بيان أمر محمد ، أنه رسول بإرسال الله إياه إلى خلقه ؛ يقول : فلما بعثه الله تفرقوا فيه ، فكذب به بعضهم ، وآمن بعضهم ، وقد كانوا قبل أن يبعث غير مفترقين فيه أنه نبي . القول