تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وأنا علما أن لن نعجز الله في الأرض إن أراد بنا سوءا
وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً
أن طلبنا فنفوته . وإنما وصفوا الله بالقدرة عليهم حيث كانوا .
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ
يقول : قالوا : وأنا لما سمعنا القرآن الذي يهدي إلى الطريق المستقيم آمنا به ، يقول : صدقنا به ، وأقررنا أنه حق من عند الله ، فمن يؤمن بربه
فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
يقول : فمن يصدق بربه فلا يخاف بخسا : يقول : لا يخاف أن ينقص من حسناته ، فلا يجازى عليها ؛ ولا رهقا : ولا إثما يحمل عليه من سيئات غيره ، أو سيئة يعملها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
يقول : لا يخاف نقصا من حسناته ، ولا زيادة في سيئاته . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله
فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
يقول : ولا يخاف أن يبخس من عمله شيء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
فَلا يَخافُ بَخْساً
أي ظلما ، أن يظلم من حسناته فينقص منها شيئا ، أو يحمل عليه ذنب غيره
وَلا رَهَقاً
ولا مأثما . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
قال : لا يخاف أن يبخس من أجره شيئا ، ولا رهقا فيظلم ولا يعطى شيئا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل النفر من الجن :
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ
الذين قد خضعوا لله بالطاعة
وَمِنَّا الْقاسِطُونَ
وهم الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن مسعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ
قال : العادلون عن الحق . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
الْقاسِطُونَ
قال : الظالمون . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال :
الْقاسِطُونَ
الجائرون . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
الْقاسِطُونَ
قال : الجائرون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : المقسط : العادل ، والقاسط : الجائر وذكر بيت شعر :
قسطنا على الأملاك في عهد تبع * من قبل ما أدرى النفوس عقابها
وقال : وهذا مثل الترب والمترب ؛ قال : والترب : المسكين ، وقرأ :
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
قال : والمترب : الغني . وقوله :
فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ
يقول : فمن أسلم وخضع لله بالطاعة ، فأولئك تعمدوا وترجوا رشدا في دينهم .
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ
يقول : الجائرون عن الإسلام ،
فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
توقد بهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
يقول تعالى ذكره : وأن لو استقام هؤلاء القاسطون على طريقة الحق والاستقامة
لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
يقول : لوسعنا عليهم في الرزق ، وبسطناهم في الدنيا لنفتنهم فيه ، يقول لنختبرهم فيه . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 71 | محمد بن جرير الطبري