إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ يا محمد قالُوا بألسنتهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ قال المنافقون ذلك أو لم يقولوا وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ يقول : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون في إخبارهم عن أنفسهم أنها تشهد إنك لرسول الله ، وذلك أنها لا تعتقد ذلك ولا تؤمن به ، فهم كاذبون في خبرهم عنها بذلك . وكان بعض أهل العربية يقول في قوله : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ إنما كذب ضميرهم لأنهم أضمروا النفاق ، فكما لم يقبل إيمانهم ، وقد أظهروه ، فكذلك جعلهم كاذبين ، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا . القول في تأويل قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا . . . يَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : اتخذ المنافقون أيمانهم جنة ، وهي حلفهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً أي حلفهم جنة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً قال : يجيئون بها ، قال ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول قي قوله : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يقول : حلفهم بالله إنهم لمنكم جنة . وقوله : جُنَّةً سترة يستترون بها كما يستتر المستجن بجنته في حرب وقتال ، فيمنعون بها أنفسهم وذراريهم وأموالهم ، ويدفعون بها عنها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة جُنَّةً ليعصموا بها دماءهم وأموالهم . وقوله : فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول : فأعرضوا عن دين الله الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم وشريعته التي شرعها لخلقه إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول : إن هؤلاء المنافقين الذين اتخذوا أيمانهم جنة ساء ما كانوا يعملون في اتخاذهم أيمانهم جنة ، لكذبهم ونفاقهم ، وغير ذلك من أمورهم . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ يقول تعالى ذكره : إنهم ساء ما كانوا يعملون هؤلاء المنافقون الذين اتخذوا أيمانهم جنة من أجل أنهم صدقوا الله ورسوله ، ثم كفروا بشكهم في ذلك وتكذيبهم به . وقوله : فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ يقول : فجعل الله على قلوبهم ختما بالكفر عن الإيمان ؛ وقد بينا في موضع غير هذا صفة الطبع على القلب بشواهدها ، وأقوال أهل العلم ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ يقول تعالى ذكره : فهم لا يفقهون صوابا من خطأ ، وحقا من باطل لطبع الله على قلوبهم . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ أقروا بلا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقلوبهم منكرة تأبى ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ . . . كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ . . . أَنَّى يُؤْفَكُونَ يقول جل ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا رأيت هؤلاء المنافقين يا محمد تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورها وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ يقول جل ثناؤه : وإن يتكلموا تسمع كلامهم يشبه منطقهم منطق الناس كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يقول كأن هؤلاء المنافقين خشب مسندة لا خير عندهم ولا فقه لهم ولا علم ، وإنما هم صور بلا أحلام ، وأشباح بلا عقول . وقوله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ يقول جل ثناؤه : يحسب هؤلاء المنافقون من خبثهم وسوء ظنهم ، وقلة يقينهم كل صيحة عليهم ، لأنهم على وجل أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك به أستارهم ويفضحهم ، ويبيع للمؤمنين قتلهم وسبي ذراريهم ، وأخذ أموالهم ، فهم
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحه 69
پدیدآورندگان: محمد بن جرير الطبري
ص۶۹