للحرب أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم ، وإن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن خرجتم ، خرجنا معكم ، فتربصوا لذلك من نصرهم ، فلم يفعلوا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ، ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة . حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان . وقال مجاهد في ذلك ما : حدثني به محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا
قال : عبد الله بن أبي ابن سلول ، ورفاعة أو رافعة بن تابوت . وقال الحرث : رفاعة بن تابوت ، ولم يشك فيه ، وعبد الله بن نبتل ، وأوس بن قيظي . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قوله
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا
يعني عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه ، ومن كان منهم على مثل أمرهم . وقوله :
يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
يعني بني النضير ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
يعني : بني النضير . وقوله :
لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ
يقول : لئن أخرجتم من دياركم ومنازلكم ، وأجليتم عنها لنخرجن معكم ، فنجلى عن منازلنا وديارنا معكم . وقوله :
وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً
يقول : ولا نطيع أحدا سألنا خذلانكم ، وترك نصرتكم ، ولكنا نكون معكم .
وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ
يقول : وأن قاتلكم محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه لننصرنكم معشر النضير عليهم . وقوله :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
يقول : والله يشهد إن هؤلاء المنافقين الذين وعدوا بني النضير النصرة على محمد صلى الله عليه وسلم
لَكاذِبُونَ
في وعدهم إياهم ما وعدوهم من ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ
يقول تعالى ذكره : لئن أخرج بنو النضير من ديارهم ، فأنجلوا عنها لا يخرج معهم المنافقون الذين وعدوهم الخروج من ديارهم ، ولئن قاتلهم محمد صلى الله عليه وسلم لا ينصرهم المنافقون الذين وعدوهم النصر ، ولئن نصر المنافقون بني النضير ليولن الأدبار منهزمين عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه هاربين منهم ، قد خذلوهم .
ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ
يقول : ثم لا ينصر الله بني النضير على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بل يخذلهم . القول في تأويل قوله تعالى :
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ . . .
جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً . . .
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود من بني النضير من الله ، يقول : هم يرهبونهم أشد من رهبتهم من الله .
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
يقول تعالى ذكره : هذه الرهبة التي لكم في صدور هؤلاء اليهود التي هي أشد من رهبتهم من الله من أجل أنهم قوم لا يفقهون ، قدر عظمة الله ، فهم لذلك يستخفون بمعاصيه ، ولا يرهبون عقابه قدر رهبته منكم . وقوله :
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ
يقول جل ثناؤه : لا يقاتلكم هؤلاء اليهود بني النضير مجتمعين إلا في قرى محصنة بالحصون ، لا يبرزون لكم بالبراز ،
أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ
يقول : أو من خلف حيطان . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة والمدينة
أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ
على الجماع بمعنى الحيطان . وقرأه بعض قراء مكة والبصرة : " من وراء جدار " على التوحيد بمعنى الحائط . والصواب من القول عندي في ذلك أنهما قراءتان معروفتان