عنهما هذين السهمين : سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسهم قرابته ، فحملا عليه في سبيل الله صدقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : عنى بذلك : ما صالح عليه أهل الحرب المسلمين من أموالهم ، وقالوا قوله
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
الآيات ، بيان قسم المال الذي ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية ، الأنفال وذلك قوله :
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ
الخمس وهذا قول كان يقوله بعض المتفقهة من المتأخرين . والصواب من القول في ذلك عندي أن هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها ، الأنفال وذلك أن الآية التي قبلها مال جعله الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم خاصة دون غيره ، لم يجعل فيه لأحد نصيبا ، وبذلك جاء الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : أرسل إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فدخلت عليه ، فقال : إنه قد حضر أهل أبيات من قومك وإنا قد أمرنا لهم برضخ ، فاقسمه بينهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين مر بذلك غيري ، قال : اقبضه أيها المرء الخمس ؛ فبينا أنا كذلك ، إذ جاء يرفأ مولاه ، فقال :
عبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، وعثمان ، وسعد يستأذنون ، فقال : ائذن لهم ؛ ثم مكث ساعة ، ثم جاء فقال :
هذا علي والعباس يستأذنان ، فقال : ائذن لهما ؛ فلما دخل العباس قال : يا أمير المؤمنين اقضي بيني وبين هذا الغادر الخائن الفاجر ، وهما جاءا يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من أعمال بني النضير ، فقال القوم : اقض بينهما يا أمير المؤمنين ، وأرح كل واحد منهما من صاحبه ، فقد طالت خصومتهما ، فقال :
أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض ، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" لا نورث ما تركناه صدقة " قالوا : قد قال ذلك ؛ ثم قال لهما : أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك ؟ قالا : نعم ؛ قال : فسأخبركم بهذا الفيء ؛ إن الله خص نبيه صلى الله عليه وسلم بشيء لم يعطه غيره ، فقال :
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ
الأنفال فكانت هذه لرسول الله خاصة ، فوالله ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها دونكم ، ولقد قسمها عليكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله منه سنتهم ، ثم يجعل ما بقي في مال الله . فإذا كانت هذه الآية التي قبلها مضت ، وذكر المال الذي خص الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يجعل لأحد معه شيئا ، وكانت هذه الآية خبرا عن المال الذي جعله الله لأصناف شتى ، كان معلوما بذلك أن المال الذي جعله لأصناف من خلقه غير المال الذي جعله للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، ولم يجعل له شريكا الخمس . وقوله :
وَلِذِي الْقُرْبى
يقول : ولذي قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب واليتامى ، وهم أهل الحاجة من أطفال المسلمين الذين لا مال لهم ؛ والمساكين : وهم الجامعون فاقة وذل المسألة وابن السبيل : وهم المنقطع بهم من المسافرين في غير معصية الله عز وجل . . وقد ذكرنا الرواية التي جاءت عن أهل التأويل بتأويل ذلك لذي القربى اليتامى المساكين ابن السبيل فيما مضى من كتابنا وقوله :
كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ
الأنفال يقول جل ثناؤه : وجعلنا ما أفاء على رسوله من أهل القرى لهذه الأصناف ، كيلا يكون ذلك الفيء دولة يتداوله الأغنياء منكم بينهم ، يصرفه هذا مرة في حاجات نفسه ، وهذا مرة في أبواب البر وسبل الخير ، فيجعلون ذلك حيث شاءوا ، ولكننا سننا فيه سنة لا تغير ولا تبدل . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار سوى أبي جعفر القارئ
كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً
نصبا على ما وصفت من المعنى ، أن في يكون ذكر الفيء .
وقوله :
دُولَةً
نصب خبر يكون ، وقرأ ذلك أبو جعفر القارئ : " كيلا يكون دولة " على رفع الدولة مرفوعة بيكون ، والخبر قوله :
بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ
وبضم الدال من
دُولَةً
قرأ جميع قراء الأمصار ، غير أنه حكي