يقول تعالى ذكره :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
الذي لا إله غيره
ثُمَّ اسْتَقامُوا
على تصديقهم بذلك فلم يخلطوه بشرك ، ولم يخالفوا الله في أمره ونهيه
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من فزع يوم القيامة وأهواله
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
على ما خلفوا وراءهم بعد مماتهم . وقوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ
يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين قالوا هذا القول ، واستقاموا أهل الجنة وسكانها .
خالِدِينَ فِيها
يقول : ماكثين فيها أبدا .
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
يقول : ثوابا منا لهم آتيناهم ذلك على أعمالهم الصالحة التي كانوا في الدنيا يعملونها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ . . .
وَحَمْلُهُ
. . . نِعْمَتَكَ
. . . وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
يقول تعالى ذكره : ووصينا ابن آدم بوالديه الحسن في صحبته إياهما أيام حياتهما ، والبر بهما في حياتهما وبعد مماتهما . واختلفت القراء في قراءة قوله :
إِحْساناً
فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة " وحسنا " بضم الحاء على التأويل الذي وصفت . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة
إِحْساناً
بالألف ، بمعنى : ووصيناه بالإحسان إليهما ، وبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب ، لتقارب معاني ذلك ، واستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في القراء . وقوله :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
يقول تعالى ذكره : ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا برا بهما ، لما كان منهما إليه حملا ووليدا وناشئا ، ثم وصف جل ثناؤه ما لديه من نعمة أمه ، وما لاقت منه في حال حمله ووضعه ، ونبهه على الواجب لها عليه من البر ، واستحقاقها عليه من الكرامة وجميل الصحبة ، فقال :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
يعني في بطنها كرها ، يعني مشقة ،
وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
يقول :
وولدته كرها يعني مشقة . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
يقول : حملته مشقة ، ووضعته مشقة حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة والحسن ، في قوله :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
قالا : حملته في مشقة ، ووضعته في مشقة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال :
ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً
قال : مشقة عليها .
واختلفت القراء في قراءة قوله :
كُرْهاً
فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة " وكرها " بفتح الكاف .
وقرأته عامة قراء الكوفة
كُرْهاً
بضمها ، وقد بينت اختلاف المختلفين في ذلك قبل إذا فتح وإذا ضم في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
يقول تعالى ذكره : وحمل أمه إياه جنينا في بطنها ، وفصالها إياه من الرضاع ، وفطمها إياه ، شرب اللبن ثلاثون شهرا . واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَفِصالُهُ
، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار غير الحسن البصري :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ
بمعنى : فاصلته أمه فصالا ومفاصلة . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأه : " وحمله وفصله " بفتح الفاء بغير ألف ، بمعنى : وفصل أمه إياه . والصواب من القول في ذلك عندنا ، ما عليه قراء الأمصار ، لإجماع الحجة من القراء عليه وشذوذ ما خالفه . وقوله :
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ
اختلف أهل التأويل في مبلغ حد ذلك من السنين ، فقال بعضهم : هو ثلاث وثلاثون سنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : أشده : ثلاث وثلاثون سنة ، واستواؤه أربعون سنة ، والعمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ
قال : ثلاثا وثلاثين . وقال آخرون : هو بلوغ الحلم . ذكر من قال ذلك :