قوله تعالى :
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً . . .
يَصِدُّونَ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة غير عاصم " فجعلناهم سلفا " بضم السين واللام ، توجيها ذلك منهم إلى جمع سليف من الناس ، وهو المتقدم أمام القوم . وحكى الفراء أنه سمع القاسم بن معن يذكر أنه سمع العرب تقول : مضى سليف من الناس . وقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وعاصم :
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً
بفتح السين واللام . وإذا قرئ كذلك احتمل أن يكون مرادا به الجماعة والواحد والذكر والأنثى ، لأنه يقال للقوم : أنتم لنا سلف ، وقد يجمع فيقال : هم أسلاف ؛ ومنه الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يذهب الصالحون أسلافا " . وكان حميد الأعرج يقرأ ذلك : " فجعلناه سلفا " بضم السين وفتح اللام ، توجيها منه ذلك إلى جمع سلفة من الناس ، مثل أمة منهم وقطعة . وأولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بفتح السين واللام ، لأنها اللغة الجوداء ، والكلام المعروف عند العرب ، وأحق اللغات أن يقرأ بها كتاب الله من لغات العرب أفصحها وأشهرها فيهم . فتأويل الكلام إذن . فجعلنا هؤلاء الذين أغرقناهم من قوم فرعون في البحر مقدمة يتقدمون إلى النار ، كفار قومك يا محمد من قريش ، وكفار قومك لهم بالأثر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
قال : قوم فرعون كفارهم سلفا لكفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً
في النار . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر :
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً
قال : سلفا إلى النار . وقوله :
وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
يقول : وعبرة وعظة يتعظ بهم من بعدهم من الأمم ، فينتهوا عن الكفر بالله . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، مجاهد
وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
قال :
عبرة لمن بعدهم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا أبو ثور ، عن معمر ، عن قتادة
وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
أي عظة للآخرين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
أي عظة لمن بعدهم . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا
قال : عبرة .
وقوله :
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا
يقول تعالى ذكره : ولما شبه الله عيسى في إحداثه وإنشائه إياه من غير فحل بآدم ، فمثله به بأنه خلقه من تراب من غير فحل ، إذا قومك يا محمد من ذلك يضجون ويقولون :
ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها نعبده ، كما عبدت النصارى المسيح . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال ثنا أبو عاصم ، قال ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله عز وجل :
إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
قال : يضجون ؛ قال : قالت قريش : إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : لما ذكر عيسى ابن مريم جزعت قريش من ذلك ، وقالوا : يا محمد ما ذكرت عيسى ابن مريم ، وقالوا :
ما يريد محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم ، فقال الله عز وجل :
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا
حدثنا بشر ، قال ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : لما ذكر عيسى في القرآن قال مشركو قريش : يا محمد ما أردت إلى ذكر عيسى ؟ قال : وقالوا : إنما يريد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى . وقال آخرون : بل عنى بذلك قول الله عز وجل
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ