تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
أَنْتُمْ مُغْنُونَ
اليوم
عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ
يعنون حظا فتخففوه عنا ، فقد كنا نسارع في محبتكم في الدنيا ، ومن قبلكم أتينا ، لولا أنتم لكنا في الدنيا مؤمنين ، فلم يصبنا اليوم هذا البلاء ؛ والتبع يكون واحدا وجماعة في قول بعض نحويي البصرة ، وفي قول بعض نحويي الكوفة جمع لا واحد له ، لأنه كالمصدر . قال : وإن شئت كان واحده تابع ، فيكون مثل خائل وخول ، وغائب وغيب . والصواب من القول في ذلك عندي أنه جمع واحد تابع ، وقد يجوز أن يكون واحدا فيكون جمعه اتباع . فأجابهم المتبوعون بما أخبر الله عنهم ؛ قال الذين استكبروا ، وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا : إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون ، لا خلاص لنا منها
إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ
بفصل قضائه ، فأسكن أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، فلا نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون ، ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون ؛ ورفع قوله
كُلٌّ
بقوله
فِيها
ولم ينصب على النعت . وقد اختلف في جواز النصب في ذلك في الكلام . وكان بعض نحويي البصرة يقول : إذا لم يضف " كل " لم يجز الاتباع . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : ذلك جائز في الحذف وغير الحذف ، لأن أسماءها إذا حذفت اكتفي بها منها . وقد بينا الصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ . . .
رُسُلُكُمْ
. . . ضَلالٍ
يقول تعالى ذكره : وقال أهل جهنم لخزنتها وقوامها ، استغاثة بهم من عظيم ما هم فيه من البلاء ، ورجاء أن يجدوا من عندهم فرجا
ادْعُوا رَبَّكُمْ
لنا
يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً
واحدا ، يعني قدر يوم واحد من أيام الدنيا
مِنَ الْعَذابِ
الذي نحن فيه . وإنما قلنا : معنى ذلك : قدر يوم من أيام الدنيا ، لأن الآخرة يوم لا ليل فيه ، فيقال : خفف عنهم يوما واحدا . وقوله :
قالُوا أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ
يقول تعالى ذكره : قالت خزنة جهنم لهم : أو لم تك تأتيكم في الدنيا رسلكم بالبينات من الحجج على توحيد الله ، فتوحدوه وتؤمنوا به ، وتتبرءوا مما دونه من الآلهة ؟ قالوا : بلى ، قد أتتنا رسلنا بذلك . وقوله :
قالُوا فَادْعُوا
يقول جل ثناؤه : قالت الخزنة لهم : فادعوا إذا ربكم الذي أتتكم الرسل بالدعاء إلى الإيمان به . وقوله :
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ
يقول : قد دعوا وما دعاؤهم إلا في ضلال ، لأنه دعاء لا ينفعهم ، ولا يستجاب لهم ، بل يقال لهم :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
يقول القائل : وما معنى :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه ، ومثلوا به ، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما ، ومنهم من هم بقتله قومه ، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيا بنفسه ، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقا لقومه ، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله ، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله ، والمؤمنين به في الحياة الدنيا ، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت ، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به ؟ قيل : إن لقوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وجهين كلاهما صحيح معناه . أحدهما أن يكون معناه : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائنا هم على من كذبنا وإظفارنا بهم ، حتى يقهروهم غلبة ، ويذلوهم بالظفر ذلة ، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان ، فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر ، وكالذي فعل بمحمد صلى الله عليه وسلم بإظهاره على من كذبه من قومه ، وإما بانتقامنا ممن حادهم