تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
يظهر في أرضكم أرض مصر ، عبادة ربه الذي يدعوكم إلى عبادته ، وذلك كان عنده هو الفساد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ
أي أمركم الذي أنتم عليه
أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ
والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ . . .
مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
. . . فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ . . .
كَذَّابٌ
يقول تعالى ذكره : وقال موسى لفرعون وملئه : إني استجرت أيها القوم بربي وربكم ، من كل متكبر عليه ، تكبر عن توحيده ، والإقرار بألوهيته وطاعته ، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه ، فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسئ بما أساء ؛ وإنما خص موسى صلوات الله وسلامه عليه ، الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب ، لأن من لم يؤمن بيوم الحساب مصدقا ، لم يكن للثواب على الإحسان راجيا ، ولا للعقاب على الإساءة ، وقبيح ما يأتي من الأفعال خائفا ، ولذلك كان استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة . وقوله :
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ
اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن ، فقال بعضهم : كان من قوم فرعون ، غير أنه كان قد آمن بموسى ، وكان يسر إيمانه من فرعون وقومه خوفا على نفسه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
قال : هو ابن عم فرعون . ويقال : هو الذي نجا مع موسى ، فمن قال هذا القول ، وتأول هذا التأويل هو ابن عم فرعون ، كان صوابا الوقف إذا أراد القارئ الوقف على قوله :
مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
لأن ذلك خبر متناه قد تم . وقال آخرون : بل كان الرجل إسرائيليا ، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون . والصواب على هذا القول كان الرجل إسرائيليا لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله :
يَكْتُمُ إِيمانَهُ
لأن قوله :
مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
صلة لقوله :
يَكْتُمُ إِيمانَهُ
فتمامه قوله : يكتم إيمانه ، وقد ذكر أن اسم هذا الرجل المؤمن من آل فرعون : جبريل ، كذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق . وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السدي من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون ، قد أصغى لكلامه ، واستمع منه ما قاله ، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله . وقيله ما قاله . وقال له : ما أريكم إلا ما أرى ، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ، ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القاتل له ، ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله ، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل ، لاعتداده إياهم أعداء له ، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلا ؟ ولكنه لما كان من ملأ قومه ، استمع قوله ، وكف عما كان هم به في موسى . وقوله :
أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ
يقول : أتقتلون أيها القوم موسى لأن يقول ربي الله ؟ فإن في موضع نصب لما وصفت .
وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ
يقول : وقد جاءكم بالآيات الواضحات على حقيقة ما يقول من ذلك . وتلك البينات من الآيات يده وعصاه ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال . ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق
وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ
بعصاه وبيده . وقوله :
وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ
يقول : وإن يك موسى كاذبا في قيله : إن الله أرسله إليكم يأمركم بعبادته ، وترك دينكم الذي أنتم عليه ، فإنما إثم كذبه عليه دونكم
وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ