بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
أي هم يوم القيامة واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين :
" وإن كل لما " بالتخفيف توجيها منهم إلى أن ذلك " ما " أدخلت عليها اللام التي تدخل جوابا لأن وأن معنى الكلام : وإن كل لجميع لدينا محضرون . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة :
لَمَّا
بتشديد الميم . ولتشديدهم ذلك عندنا وجهان : أحدهما : أن يكون الكلام عندهم كان مرادا به : وإن كل لمما جميع ، ثم حذفت إحدى الميمات لما كثرت ، كما قال الشاعر :
غداة طفت علماء بكر بن وائل * وعجنا صدور الخيل نحو تميم
والآخر : أن يكونوا أرادوا أن تكون
لَمَّا
بمعنى إلا ، مع إن خاصة فتكون نظيرة إنما إذا وضعت موضع " إلا " . وقد كان بعض نحويي الكوفة يقول : كأنها " لم " ضمت إليها " ما " ، فصارتا جميعا استثناء ، وخرجتا من حد الجحد . وكان بعض أهل العربية يقول : لا أعرف وجه " لما " بالتشديد . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنا
. . . الْعُيُونِ
يقول تعالى ذكره : ودلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله على ما يشاء ، وعلى إحيائه من مات من خلقه وإعادته بعد فنائه ، كهيئته قبل مماته إحياؤه الأرض الميتة ، التي لا نبت فيها ولا زرع بالغيث الذي ينزله من السماء حتى يخرج زرعها ، ثم إخراجه منها الحب الذي هو قوت لهم وغذاء ، فمنه يأكلون . وقوله :
وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ
يقول تعالى ذكره : وجعلنا في هذه الأرض التي أحييناها بعد موتها بساتين من نخيل وأعناب
وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ
يقول : وأنبعنا فيها من عيون الماء . القول في تأويل قوله تعالى :
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ
يقول تعالى ذكره : أنشأنا هذه الجنات في هذه الأرض ليأكل عبادي من ثمره ، وما عملت أيديهم يقول : ليأكلوا من ثمر الجنات التي أنشأنا لهم ، وما عملت أيديهم مما غرسوا هم وزرعوا . و " ما " التي في قوله :
وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ
في موضع خفض عطفا على الثمر ، بمعنى : ومن الذي عملت ؛ وهي في قراءة عبد الله فيما ذكر : " ومما عملته " بالهاء على هذا المعنى ؛ فالهاء في قراءتنا مضمرة ، لأن العرب تضمرها أحيانا ، وتظهرها في صلات : من ، وما ، والذي .
ولو قيل : " ما " بمعنى المصدر كان مذهبا ، فيكون معنى الكلام : ومن عمل أيديهم . ولو قيل : إنها بمعنى الجحد ولا موضع لها كان أيضا مذهبا ، فيكون معنى الكلام : ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم . وقوله :
أَ فَلا يَشْكُرُونَ
يقول : أفلا يشكر هؤلاء القوم الذين رزقناهم هذا الرزق من هذه الأرض الميتة التي أحييناها لهم من رزقهم ذلك وأنعم عليهم به ؟ . القول في تأويل قوله تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره تنزيها وتبرئة للذي خلق الألوان المختلفة كلها من نبات الأرض ، ومن أنفسهم ، يقول : وخلق من أولادهم ذكورا وإناثا ، ومما لا يعلمون أيضا من الأشياء التي لم يطلعهم عليها ، خلق كذلك أزواجا مما يضيف إليه هؤلاء المشركون ، ويصفونه به من الشركاء وغير ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ . . .
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ