تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
اختلف أهل التأويل في صفة اتقاء هذا الضال بوجهه سوء العذاب ، فقال بعضهم : هو أن يرمى به في جهنم مكبوبا على وجهه ، فذلك اتقاؤه إياه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ
قال : يخر على وجهه في النار ، يقول : هو مثل
أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ
وقال آخرون : هو أن ينطلق به إلى النار مكتوفا ، ثم يرمى به فيها ، فأول ما تمس النار وجهه ؛ وهذا قول يذكر عن ابن عباس من وجه كرهت أن أذكره لضعف سنده ؛ وهذا أيضا مما ترك جوابه استغناء بدلالة ما ذكر من الكلام عليه عنه . ومعنى الكلام : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة خير ، أم من ينعم في الجنان ؟ . وقوله :
وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
يقول : ويقال يومئذ للظالمين أنفسهم بإكسابهم إياها سخط الله . ذوقوا اليوم أيها القوم وبال ما كنتم في الدنيا تكسبون من معاصي الله . وقوله :
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يقول تعالى ذكره : كذب الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم الذين مضوا في الدهور الخالية رسلهم
فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
يقول : فجاءهم عذاب الله من الموضع الذي لا يشعرون : أي لا يعلمون بمجيئه منه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : فعجل الله لهؤلاء الأمم الذين كذبوا رسلهم الهوان في الدنيا ، والعذاب قبل الآخرة ، ولم ينظرهم إذ عتوا عن أمر ربهم
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ
يقول : ولعذاب الله إياهم في الآخرة إذا أدخلهم النار ، فعذبهم بها ، أكبر من العذاب الذي عذبهم به في الدنيا ، لو كانوا يعلمون ؛ يقول : لو علم هؤلاء المشركون من قريش ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
. . . يَتَّقُونَ
يقول تعالى ذكره : ولقد مثلنا لهؤلاء المشركين بالله من كل مثل من أمثال القرون للأمم الخالية ، تخويفا منا لهم وتحذيرا
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
يقول : ليتذكروا فينزجروا عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله . وقوله :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
يقول تعالى ذكره : لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل قرآنا عربيا
غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
يعني : ذي لبس ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
: غير ذي لبس . ونصب قوله :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
على الحال من قوله : هذا القرآن ، لأن القرآن معرفة ، وقوله
قُرْآناً عَرَبِيًّا
نكرة . وقوله :
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
يقول : جعلنا قرآنا عربيا إذ كانوا عربا ، ليفهموا ما فيه من المواعظ ، حتى يتقوا ما حذرهم الله فيه من بأسه وسطوته ، فينيبوا إلى عبادته وإفراد الألوهة له ، ويتبرءوا من الأنداد والآلهة . القول في تأويل قوله تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ
. . . لا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : مثل الله مثلا للكافر بالله الذي يعبد آلهة شتى ، ويطيع جماعة من الشياطين ، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد ، يقول تعالى ذكره : ضرب الله مثلا لهذا الكافر رجلا فيه شركاء . يقول : هو بين جماعة مالكين متشاكسين ، يعني مختلفين