عمن حدثه ، عن أبي صالح ، قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على غير منزل ، فكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن إذا كان الليل خرجن يقضين حوائجهن ، وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل ، فأنزل الله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
الستر يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة . وقوله :
ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ
يقول تعالى ذكره : إدناؤهن جلابيبهن إذا أدنينها عليهن أقرب وأحرى أن يعرفن ممن مررن به ، ويعلموا أنهن لسن بإماء ، فيتنكبوا عن أذاهن بقول مكروه ، أو تعرض بريبة
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً
لما سلف منهن من تركهن إدناءهن الجلابيب عليهن
رَحِيماً
بهن أن يعاقبهن بعد توبتهن بإدناء الجلابيب عليهن .
القول في تأويل قوله تعالى :
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ . . .
فِي الْمَدِينَةِ
. . . تَقْتِيلًا
يقول تعالى ذكره : لئن لم ينته أهل النفاق ، الذين يستسرون الكفر ، ويظهرون الإيمان
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
يعني : ريبة من شهوة الزنا وحب الفجور . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو بن علي ، قال : ثنا أبو عبد الصمد ، قال : ثنا مالك بن دينار ، عن عكرمة ، في قوله :
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
قال : هم الزناة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
قال : شهوة الزنا . حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا أبو صالح التمار ، قال : سمعت عكرمة في قوله :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
قال :
شهوة الزنا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة عمن حدثه ، عن أبي صالح
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
قال : الزناة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
الآية ، قال : هؤلاء صنف من المنافقين
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أصحاب الزنا ، قال : أهل الزنا من أهل النفاق الذين يطلبون النساء فيبتغون الزنا . وقرأ :
فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ
قال : والمنافقون أصناف عشرة في براءة ، قال : فالذين في قلوبهم مرض صنف منهم مرض من أمر النساء . وقوله :
وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ
يقول : وأهل الإرجاف في المدينة بالكذب والباطل . وكان إرجافهم فيما ذكر كالذي : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ
الآية ، الإرجاف :
الكذب الذي كان نافقه أهل النفاق ، وكانوا يقولون : أتاكم عدد وعدة . وذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق ، فأوعدهم الله بهذه الآية ، قوله :
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
الآية ؛ فلما أوعدهم الله بهذه الآية كتموا ذلك وأسروه . حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله
وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ
هم أهل النفاق أيضا الذين يرجفون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين . وقوله :
لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ
يقول : لنسلطنك عليهم ولنحرشنك بهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ
يقول : لنسلطنك عليهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ
أي لنحملنك عليهم لنحرشنك بهم . قوله :
ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا
يقول : ثم لننفينهم عن مدينتك فلا يسكنون معك فيها إلا قليلا من المدة