ثَمانِيَ حِجَجٍ
يعني بقوله :
عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي
: على أن تثيبني من تزويجها رعي ماشيتي ثماني حجج ، من قول الناس : آجرك الله فهو يأجرك ، بمعنى : أثابك الله ؛ والعرب تقول : أجرت الأجير آجره ، بمعنى : أعطيته ذلك ، كما يقال : أخذته فأنا آخذه . وحكى بعض أهل العربية من أهل البصرة أن لغة العرب : أجرت غلامي فهو مأجور ، وآجرته فهو مؤجر ، يريد : أفعلته . قال : وقال بعضهم : آجره فهو مؤاجر ، أراد فاعلته ؛ وكأن أباها عندي جعل صداق ابنته التي زوجها موسى رعي موسى عليه ماشيته ثماني حجج ، والحجج : السنون .
وقوله :
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ
يقول : فإن أتممت الثماني الحجج عشرا التي شرطتها عليك بإنكاحي إياك إحدى ابنتي ، فجعلتها عشر حجج ، فإحسان من عندك ، وليس مما اشترطته عليك بسبب تزويجك ابنتي .
وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
باشتراط الثماني الحجج عشرا عليك .
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
في الوفاء بما قلت لك . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
يقول تعالى ذكره :
قالَ
موسى لأبي المرأتين
ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
أي هذا الذي قلت من أنك تزوجني أحدى ابنتيك على أن آجرك ثماني حجج ، واجب بيني وبينك ، على كل واحد منا الوفاء لصاحبه بما أوجب له على نفسه . وقوله :
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ
يقول : أي الأجلين من الثماني الحجج والعشر الحجج قضيت ، يقول :
فرغت منها فوفيتكها رعى غنمك وماشيتك
فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ
يقول : فليس لك أن تعتدي علي ، فتطالبني بأكثر منه ، و " ما " في قوله :
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ
صلة يوصل بها أي على الدوام ، وزعم أهل العربية أن هذا أكثر في كلام العرب من أي ، وأنشد قول الشاعر :
وأيهما ما أتبعن فإنني * حريص على أثر الذي أنا تابع
وقال عباس بن مرداس :
فأيي ما وأيك كان شرا * فقيد إلى المقامة لا يراها
وقوله :
وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
كان ابن إسحاق يرى هذا القول من أبي المرأتين . حدثنا ابن حميد ، قال :
ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال موسى
ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ
قال : نعم .
وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
فزوجه ، وأقام معه يكفيه ، ويعمل له في رعاية غنمه ، وما يحتاج إليه منه ، وزوجة موسى صفورا أو أختها : شرفا أو ليا حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قال ابن عباس ؛ الجارية التي دعته هي التي تزوج . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قال له
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي
إلى آخر الآية ، قال : وأيتهما تريد أن تنكحني ؟ قال : التي دعتك ، قال : لا . ألا وهي بريئة مما دخل نفسك عليها ، فقال : هي عندك كذلك ، فزوجه .
وبنحو الذي قلنا في قوله :
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ
إما ثمانيا ، وإما عشرا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن لهيعة ، عن عمارة بن غزية ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، وسأله رجل قال
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ
قال : فقال القاسم :
ما أبالي أي ذلك كان ، إنما هو موعد وقضاء . وقوله :
وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
يقول : والله على ما أوجب كل واحد منا لصاحبه على نفسه بهذا القول ، شهيد وحفيظ . كالذي . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ،