امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
يعني بذلك أنهما حابستان . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي الهيثم ، عن سعيد بن جبير ، في قوله :
امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
قال : حابستين . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
يقول : تحبسان غنمهما .
واختلف أهل التأويل في الذي كانت عنه تذود هاتان المرأتان ، فقال بعضهم : كانتا تذودان غنمهما عن الماء ، حتى يصدر عنه مواشي الناس ، ثم تسقيان ماشيتهما لضعفهما . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن أبي مالك قوله :
امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
قال : تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا وتخلو لهما البئر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ
يعني دون القوم تذودان غنمهما عن الماء ، وهو ماء مدين . وقال آخرون : بل معنى ذلك : تذودان الناس عن غنمهما . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
قال : أي حابستين شاءهما تذودان الناس عن شائهما . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال :
ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن أصحابه معمر
تَذُودانِ
قال : تذودان الناس عن غنمهما . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال معناه : تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا من سقي مواشيهم .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لدلالة قوله :
ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
على أن ذلك كذلك ، وذلك أنهما إنما شكتا أنهما لا تسقيان حتى يصدر الرعاء ، إذ سألهما موسى عن ذودهما ، ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناس ، كان لا شك أنهما كانتا تخبران عن سبب ذودهما عنها الناس ، لا عن سبب تأخر سقيهما إلى أن يصدر الرعاء . وقوله :
قالَ ما خَطْبُكُما
يقول تعالى ذكره : قال موسى للمرأتين ما شأنكما وأمركما تذودان ماشيتكما عن الناس ، هلا تسقونها مع مواشي الناس والعرب ، تقول للرجل : ما خطبك : بمعنى ما أمرك وحالك ، كما قال الراجز :
يا عجبا ما خطبه وخطبي
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا العباس ، قال : ثنا يزيد ، قال :
أخبرنا الأصبغ ، قال : أخبرنا القاسم ، قال : ثني سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال لهما :
ما خَطْبُكُما
معتزلتين لا تسقيان مع الناس ؟ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : وجد لهما رحمة ، ودخلته فيهما خشية ، لما رأى من ضعفهما ، وغلبة الناس على الماء دونهما ، فقال لهما : ما خطبكما : أي ما شأنكما ؟ . وقوله :
قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
يقول جل ثناؤه : قالت المرأتان لموسى : لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء مواشيهم ، لأنا لا نطيق أن نسقي ، وإنما نسقي مواشينا ما أفضلت مواشي الرعاء في الحوض ، والرعاء : جمع راع ، والراعي جمعه رعاء ورعاة ورعيان . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني العباس ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا الأصبغ ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثني سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما قال موسى للمرأتين :
ما خَطْبُكُما ؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ
: أي لا نستطيع أن نسقي حتى يسقي الناس ، ثم نتبع فضلاتهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
قال : تنتظر أن تسقيان من فضول ما في الحياض حياض الرعاء . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق
قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال
وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ
لا يقدر أن يمس ذلك من نفسه ، ولا يسقي ماشيته ، فنحن ننتظر الناس حتى إذا فرغوا أسقينا ثم انصرفنا . واختلفت القراء