لأنه مصدر مثل عدل وزور . وقوله : ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ يقول : ثم لتبلغوا كمال عقولكم ونهاية قواكم بعمركم . وقد ذكرت اختلاف المختلفين في الأشد ، والصواب من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً . . . اهْتَزَّتْ يقول تعالى ذكره : ومنكم أيها الناس من يتوفى قبل أن يبلغ أشده فيموت ، ومنكم من ينسا في أجله فيعمر حتى يهرم فيرد من بعد انتهاء شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل عمره ، وذلك الهرم ، حتى يعود كهيئته في حال صباه لا يعقل من بعد عقله الأول شيئا . ومعنى الكلام : ومنكم من يرد إلى أرذل العمر بعد بلوغه أشده لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ كان يعلمه شَيْئاً . وقوله : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً يقول تعالى ذكره : وترى الأرض يا محمد يابسة دارسة الآثار من النبات والزرع . وأصل الهمود : الدروس والدثور ، ويقال منه : همدت الأرض تهمد همودا ؛ ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس :
والهمد : جمع هامد ، كما الركع جمع راكع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً قال : لا نبات فيها . وقوله : فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ يقول تعالى ذكره : فإذا نحن أنزلنا على هذه الأرض الهامدة التي لا نبات فيها المطر من السماء اهْتَزَّتْ يقول : تحركت بالنبات ، وَرَبَتْ يقول : وأضعفت النبات بمجيء الغيث . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ قال : عرف الغيث في ربوها . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ قال : حسنت ، وعرف الغيث في ربوها . وكان بعضهم يقول : معنى ذلك : فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت . ويوجه المعنى إلى الزرع ، وإن كان الكلام مخرجه على الخبر عن الأرض . وقرأت قراء الأمصار : وَرَبَتْ بمعنى : الربو ، الذي هو النماء والزيادة . وكان أبو جعفر القارئ يقرأ ذلك : " وربأت " بالهمز . حدثنا عن الفراء ، عن أبي عبد الله التميمي عنه أبو جعفر القارئ . وذلك غلط ، لأنه لا وجه للرب هاهنا ، وإنما يقال ربا بالهمز بمعنى : حرس من الربيئة ، ولا معنى للحراسة في هذا الموضع . والصحيح من القراءة ما عليه قراء الأمصار . وقوله : وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ يقول جل ثناؤه : وأنبتت هذه الأرض الهامدة بذلك الغيث من كل نوع بهيج . يعني بالبهيج : البهج ، وهو الحسن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ قال : حسن . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني تعالى ذكره بقوله : ذلك هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس من بدئنا خلقكم في بطون أمهاتكم ، ووصفنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده ، طفلا ، وكهلا ، وشيخا هرما وتنبيهناكم على فعلنا بالأرض الهامدة بما ننزل عليها من الغيث ؛