تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
قال : فحدثني من سمع الحسن يقول : كان الحكم بما قضى به سليمان القضاء والشهادات ، ولم يعنف الله داود في حكمه . وقوله :
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ
يقول تعالى ذكره : وسخرنا مع داود الجبال والطير يسبحن معه إذا سبح . وكان قتادة يقول في معنى قوله :
يُسَبِّحْنَ
في هذا الموضع ما : حدثنا به بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ
أي يصلين مع داود إذا صلى . وقوله :
وَكُنَّا فاعِلِينَ
يقول : وكنا قد قضينا أنا فاعلو ذلك ، ومسخرو الجبال والطير في أم الكتاب مع داود عليه الصلاة والسلام . القول في تأويل قوله تعالى :
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ
يقول تعالى ذكره : وعلمنا داود صنعة لبوس لكم ، واللبوس عند العرب : السلاح كله ، درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا ، يدل على ذلك قول الهذلي :
ومعي لبوس للبيس كأنه * روق بجبهة ذي نعاج مجفل
وإنما يصف بذلك رمحا . وأما في هذا الموضع فإن أهل التأويل قالوا : عني الدروع . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ
الآية ، قال : كانت قبل داود صفائح ، قال : وكان أول من صنع هذا الحلق وسرد داود . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ
قال : كانت صفائح ، فأول من سردها وحلقها داود عليه السلام . واختلفت القراء في قراءة قوله :
لِتُحْصِنَكُمْ
فقرأ ذلك أكثر قراء الأمصار : " ليحصنكم " بالياء ، بمعنى : ليحصنكم اللبوس من بأسكم ، ذكروه لتذكير اللبوس . وقرأ ذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع :
لِتُحْصِنَكُمْ
بالتاء ، بمعنى : لتحصنكم الصنعة ، فأنت لتأنيث الصنعة . وقرأ شيبة بن نصاح وعاصم بن أبي النجود : " لنحصنكم " بالنون ، بمعنى : لنحصنكم نحن من بأسكم . قال أبو جعفر : وأولى القراءات في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بالياء ، لأنها القراءة التي عليها الحجة من قراء الأمصار ، وإن كانت القراءات الثلاث التي ذكرناها متقاربات المعاني ؛ وذلك أن الصنعة هي اللبوس ، واللبوس هي الصنعة ، والله هو المحصن به من البأس ، وهو المحصن بتصيير الله إياه كذلك . ومعنى قوله : " لتحصنكم " ليحرزكم ، وهو من قوله : قد أحصن فلان جاريته . وقد بينا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل . والبأس : القتال ، وعلمنا داود صنعة سلاح لكم ليحرزكم إذا لبستموه ولقيتم فيه أعداءكم من القتل . وقوله :
فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ
يقول : فهل أنتم أيها الناس شاكرو الله على نعمته عليكم بما علمكم من صنعة اللبوس المحصن في الحرب وغير ذلك من نعمه عليكم ، يقول : فاشكروني على ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ
يقول تعالى ذكره :
وَ
سخرنا
لِسُلَيْمانَ
بن داود
الرِّيحَ عاصِفَةً
وعصوفها : شدة هبوبها ؛
تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها
يقول : تجري الريح بأمر سليمان
إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها
يعني : إلى الشام ؛ وذلك أنها كانت تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان ، ثم تعود به إلى منزله بالشام ، فلذلك