تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
القول في تأويل قوله تعالى :
أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً
يقول تعالى ذكره : أم أمنتم أيها القوم من ربكم ، وقد كفرتم به بعد إنعامه عليكم ، النعمة التي قد علمتم أن يعيدكم في البحر تارة أخرى : يقول : مرة أخرى ، والهاء التي في قوله " فيه " من ذكر البحر . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى
أي في البحر مرة أخرى
فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ
وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه ، من قولهم : قصف فلان ظهر فلان : إذا كسره
فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ
يقول : فيغرقكم الله بهذه الريح القاصف بما كفرتم ، يقول : بكفركم به
ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً
يقول : ثم لا تجدوا لكم علينا تابعا يتبعنا بما فعلنا بكم ، ولا ثائرا يثأرنا بإهلاكنا إياكم . وقيل : تبيعا في موضع التابع ، كما قيل : عليم في موضع عالم . والعرب تقول لكل طالب بدم أو دين أو غيره : تبيع . ومنه قول الشاعر :
عدوا وعدت غزلانهم فكأنها * ضوامن غرم لزهن تبيع
وبنحو الذي قلنا في القاصف والتبيع ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ
يقول : عاصفا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : قاصفا التي تغرق . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً
يقول نصيرا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال محمد : ثائرا ، وقال الحرث : نصيرا ثائرا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد
ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً
قال : ثائرا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً
أي لا نخاف أن نتبع بشيء من ذلك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً
يقول : لا يتبعنا أحد بشيء من ذلك . والتارة : جمعه تارات وتير ، وأفعلت منه : أترت . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
يقول تعالى ذكره :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
بتسليطنا إياهم على غيرهم من الخلق ، وتسخيرنا سائر الخلق لهم
وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ
على ظهور الدواب والمراكب
وَ
في
الْبَحْرِ
في الفلك التي سخرناها لهم
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
يقول : من طيبات المطاعم والمشارب ، وهي حلالها ولذيذاتها
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
ذكر لنا أن ذلك تمكنهم من العمل بأيديهم ، وأخذ الأطعمة والأشربة بها ورفعها بها إلى أفواههم ، وذلك غير متيسر لغيرهم من الخلق ، كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
الآية ، قال :
وَفَضَّلْناهُمْ
في اليدين يأكل بهما ، ويعمل بهما ، وما سوى الإنس يأكل بغير ذلك . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم ، في قوله :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
قال : قالت الملائكة : يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ، ويتنعمون ، ولم تعطنا ذلك ، فأعطناه في الآخرة ؛ فقال : وعزتي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي ، كمن قلت له كن فكان . القول في تأويل قوله تعالى :