تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
نفسك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : طائره : عمله ، ونخرج له بذلك العمل كتابا يلقاه منشورا . وقد كان بعض أهل العربية يتأول قوله
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
: أي حظه ، من قولهم : طار سهم فلان بكذا : إذا خرج سهمه على نصيب من الأنصباء ؛ وذلك وإن كان قولا له وجه ، فإن تأويل أهل التأويل على ما قد بينت ، وغير جائز أن يتجاوز في تأويل القرآن ما قالوه إلى غيره ، على أن ما قاله هذا القائل ، إن كان عنى بقوله حظه من العمل والشقاء والسعادة ، فلم يبعد معنى قوله من معنى قولهم . القول في تأويل قوله تعالى :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
يقول تعالى ذكره :
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً
فيقال له :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
فترك ذكر قوله : فنقول له ، اكتفاء بدلالة الكلام عليه . وعنى بقوله :
اقْرَأْ كِتابَكَ
اقرأ كتاب عملك الذي عملته في الدنيا ، الذي كان كاتبانا يكتبانه ، ونحصيه عليك
كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
يقول : حسبك اليوم نفسك عليك حاسبا يحسب عليك أعمالك ، فيحصيها عليك ، لا نبتغي عليك شاهدا غيرها ، ولا نطلب عليك محصيا سواها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
يقول تعالى ذكره : من استقام على طريق الحق فاتبعه ، وذلك دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عليه وسلم
فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
يقول : فليس ينفع بلزومه الاستقامة ، وإيمانه بالله ورسوله غير نفسه
وَمَنْ ضَلَّ
يقول : ومن جار عن قصد السبيل ، فأخذ على غير هدى ، وكفر بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله من الحق ، فليس يضر بضلاله وجوره عن الهدى غير نفسه ، لأنه يوجب لها بذلك غضب الله وأليم عذابه . وإنما عنى بقوله
فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
فإنما يكسب إثم ضلاله عليها لا على غيرها . وقوله :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
يعني تعالى ذكره : ولا تحمل حاملة حمل أخرى غيرها من الآثام . وقال :
وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
لأن معناها : ولا تزر نفس وازرة وزر نفس أخرى . يقال منه : وزرت كذا أزره وزرا ، والوزر : هو الإثم ، يجمع أوزارا ، كما قال تعالى :
وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ
وكأن معنى الكلام : ولا تأثم آثمة إثم أخرى ، ولكن على كل نفس إثمها دون إثم غيرها من الأنفس ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
والله ما يحمل الله على عبد ذنب غيره ، ولا يؤاخذ إلا بعمله . وقوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
يقول تعالى ذكره : وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل ، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا ، أو يأتيه من الله بينة ، وليس معذبا أحدا إلا بذنبه . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أبي هريرة ، قال : إذا كان يوم القيامة ، جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصم والأبكم ، والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا ، ثم أرسل رسولا ، أن ادخلوا النار ، فيقولون : كيف ولم يأتنا رسول ، وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما ، ثم يرسل إليهم ، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل ؛ قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة نحوه .
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 41 | محمد بن جرير الطبري