تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ
قال : كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم عليه السلام أصل الإنس . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول : كان إبليس على السماء الدنيا وعلى الأرض وخازن الجنان . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ
كان ابن عباس يقول : إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة ، وكان خازنا على الجنان ، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض ، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفا على أهل السماء ، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله ، فاستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم ، فاستكبر وكان من الكافرين ، فذلك قوله للملائكة :
إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
يعني : ما أسر إبليس في نفسه من الكبر . وقوله :
كانَ مِنَ الْجِنِّ
كان ابن عباس يقول : قال الله
كانَ مِنَ الْجِنِّ
لأنه كان خازنا على الجنان ، كما يقال للرجل : مكي ، ومدني ، وبصري ، وكوفي . وقال آخرون : كان اسم قبيلة إبليس الجن ، وهم سبط من الملائكة يقال لهم الجن ، فلذلك قال الله عز وجل
كانَ مِنَ الْجِنِّ
فنسبه إلى قبيلته . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، في قوله
كانَ مِنَ الْجِنِّ
قال : من الجنانين الذين يعملون في الجنان . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا أبو سعيد اليحمدي إسماعيل بن إبراهيم ، قال : ثني سوار بن الجعد اليحمدي ، عن شهر بن حوشب ، قوله :
مِنَ الْجِنِّ
قال : كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة ، فأسره بعض الملائكة ، فذهب به إلى السماء . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
قال : كان خازن الجنان فسمي بالجنان . حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ، قال : ثنا أحمد بن بشير ، عن سفيان بن أبي المقدام ، عن سعيد بن جبير ، قال : كان إبليس من خزنة الجنة . وقد بينا القول في ذلك فيما مضى من كتابنا هذا وذكرنا اختلاف المختلفين فيه ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
يقول : فخرج عن أمر ربه ، وعدل عنه ومال ، كما قال رؤبة :
يهوين في نجد وغورا غائرا * فواسقا عن قصدها جوائرا
يعني بالفواسق : الإبل المنعدلة عن قصد نجد ، وكذلك الفسق في الدين إنما هو الانعدال عن القصد ، والميل عن الاستقامة . ويحكى عن العرب سماعا : فسقت الرطبة من قشرها : إذا خرجت منه ، وفسقت الفأرة : إذا خرجت من جحرها . وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : إنما قيل :
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
لأنه مراد به : ففسق عن رده أمر الله ، كما تقول العرب : اتخمت عن الطعام ، بمعنى : اتخمت لما أكلته . وقد بينا القول في ذلك ، وأن معناه الفاسق : عدل وجار عن أمر الله ، وخرج عنه . وقال بعض أهل العلم بكلام العرب : معنى الفسق : الاتساع . وزعم أن العرب تقول : فسق في النفقة : بمعنى اتسع فيها . قال : وإنما سمي الفاسق فاسقا ، لاتساعه في محارم الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى " ح " ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
قال : في السجود لآدم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 170 | محمد بن جرير الطبري