قد التف بعضكم على بعض ، لا تتعارفون ، ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحيه ، من قولك : لففت الجيوش : إذا ضربت بعضها ببعض ، فاختلط الجميع ، وكذلك كل شيء خلط بشيء فقد لف به . وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن ابن أبي رزين
جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً
قال : من كل قوم . وقال آخرون : بل معناه : جئنا بكم جميعا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً
قال : جميعا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً
جميعا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله
فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً
أي جميعا ، أولكم وآخركم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله
جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً
قال : جميعا . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله
جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً
يعني جميعا . ووحد اللفيف ، وهو خبر عن الجميع ، لأنه بمعنى المصدر كقول القائل : لفقته لفا ولفيفا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ . . .
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
يقول تعالى ذكره : وبالحق أنزلنا هذا القرآن : يقول : أنزلناه نأمر فيه بالعدل والإنصاف والأخلاق الجميلة ، والأمور المستحسنة الحميدة ، وننهي فيه عن الظلم والأمور القبيحة ، والأخلاق الردية ، والأفعال الذميمة
وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
يقول : وبذلك نزل من عند الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . وقوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلناك يا محمد إلى من أرسلناك إليه من عبادنا ، إلا مبشرا بالجنة من أطاعنا ، فانتهى إلى أمرنا ونهينا ، ومنذرا لمن عصانا وخالف أمرنا ونهينا .
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار
فَرَقْناهُ
بتخفيف الراء من فرقناه ، بمعنى : أحكمناه وفصلناه وبيناه . وذكر عن ابن عباس ، أنه كان يقرؤه بتشديد الراء " فرقناه " بمعنى : نزلناه شيئا بعد شيء ، آية بعد آية ، وقصة بعد قصة . وأولى القراءتين بالصواب عندنا ، القراءة الأولى ، لأنها القراءة التي عليها الحجة مجمعة ، ولا يجوز خلافها فيما كانت عليه مجمعة من أمر الدين والقرآن . فإذا كان ذلك أولى القراءتين بالصواب ، فتأويل الكلام : وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ، وفصلناه قرآنا ، وبيناه وأحكمناه ، لتقرأه على الناس على مكث . وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل ، قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال :
ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
يقول : فصلناه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن أبي الربيع عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب أنه قرأ :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
مخففا : يعني بيناه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
قال : فصلناه . حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا بدل بن المحبر ، قال : ثنا عباد ، يعني ابن راشد ، عن داود ، عن الحسن أنه قرأ :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
خففها : فرق الله بين الحق والباطل . وأما الذين قرءوا القراءة الأخرى ، فإنهم تأولوا ما قد ذكرت من التأويل . ذكر من