تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
فلا يقدرون على رؤيتها فكيف يبعث إليهم من الملائكة الرسل ، وهم لا يقدرون على رؤيتهم وهم بهيئاتهم التي خلقهم الله بها ، وإنما يرسل إلى البشر الرسول منهم ، كما لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ، ثم أرسلنا إليهم رسولا أرسلناه منهم ملكا مثلهم . القول في تأويل قوله تعالى
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
يقول تعالى ذكره لنبيه : قل يا محمد للقائلين لك :
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
فإنه نعم الكافي والحاكم
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً
يقول : إن الله بعباده ذو خبرة وعلم بأمورهم وأفعالهم ، والمحق منهم والمبطل ، والمهدى والضال
بَصِيراً
بتدبيرهم وسياستهم وتصريفهم فيما شاء ، وكيف شاء وأحب ، لا يخفى عليه شيء من أمورهم ، وهو مجاز جميعهم بما قدم عند ورودهم عليه . القول في تأويل قوله تعالى
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً
يقول تعالى ذكره : ومن يهد الله يا محمد للإيمان به ، ولتصديقك وتصديق ما جئت به من عند ربك ، فوفقه لذلك ، فهو المهتد الرشيد المصيب الحق ، لا من هداه غيره ، فإن الهداية بيده .
وَمَنْ يُضْلِلْ
يقول : ومن يضلله الله عن الحق ، فيخذله عن إصابته ، ولم يوفقه للإيمان بالله وتصديق رسوله ، فلن تجد لهم يا محمد أولياء ينصرونهم من دون الله ، إذا أراد الله عقوبتهم والاستنقاذ منهم .
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ
يقول : ونجمعهم بموقف القيامة من بعد تفرقهم في القبور عند قيام الساعة
عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً
وهو جمع أبكم ، ويعني بالبكم : الخرس ، كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
وَبُكْماً
قال : الخرس
وَصُمًّا
وهو جمع أصم . فإن قال قائل : وكيف وصف الله هؤلاء بأنهم يحشرون عميا وبكما وصما ، وقد قال
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها
فأخبر أنهم يرون ، وقال :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
فأخبر أنهم يسمعون وينطقون ؟ قيل : جائز أن يكون ما وصفهم الله به من العمي والبكم والصمم يكون صفتهم في حال حشرهم إلى موقف القيامة ، ثم يجعل لهم أسماع وأبصار ومنطق في أحوال أخر غير حال الحشر ، ويجوز أن يكون ذلك ، كما روي عن ذلك ، كما روي عن ابن عباس في الخبر الذي : حدثنيه علي بن داود ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
ثم قال :
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا
وقال :
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
وقال
دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
أما قوله :
عُمْياً
فلا يرون شيئا يسرهم . وقوله :
بُكْماً
لا ينطقون بحجة . وقوله :
صُمًّا
لا يسمعون شيئا يسرهم . وقوله :
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ
يقول جل ثناؤه : ومصيرهم إلى جهنم ، وفيها مساكنهم ، وهم وقودها ، كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ
يعني إنهم وقودها . وقوله :
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
يعني بقوله خبت : لانت وسكنت ، كما قال عدي بن زيد العبادي في وصف مزنة :
وسطه كاليراع أو سرج المجدل * حينا يخبو وحينا ينير
يعني بقوله : يخبو السرج : أنها تلين وتضعف أحيانا ، وتقوى وتنير أخرى ، ومنه قول القطامي :
فيخبو ساعة ويهب ساعا
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في العبارة عن تأويله . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ،