لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ يقول : ليجحدوا الله نعمته فيما آتاهم من كشف الضر عنهم . فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ، وهذا من الله وعيد لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآيات وتهديد لهم ، يقول لهم جل ثناؤه : تمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم ، وتبلغوا الميقات الذي وقته لحياتكم وتمتعكم فيها ، فإنكم من ذلك ستصيرون إلى ربكم ، فتعلمون بلقائه وبال ما كسبت أيديكم ، وتعرفون سوء مغبة أمركم ، وتندمون حين لا ينفعكم الندم . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ يقول تعالى ذكره : ويجعل هؤلاء المشركون من عبدة الأوثان ، لما لا يعلمون منه ضرا ولا نفعا نَصِيباً يقول : حظا وجزاء مما رزقناهم من الأموال ، إشراكا منهم له الذي يعلمون أنه خلقهم ، وهو الذي ينفعهم ويضرهم دون غيره . كالذي : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ قال : يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيبا مما رزقناهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ وهم مشركو العرب ، جعلوا لأوثانهم نصيبا مما رزقناهم ، وجزءا من أموالهم يجعلونه لأوثانهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ قال : جعلوا لآلهتهم التي ليس لها نصيب ولا شيء ، جعلوا لها نصيبا مما قال الله من الحرث والأنعام ، يسمون عليها أسماءها ويذبحون لها . وقوله : تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ يقول تعالى ذكره : والله أيها المشركون الجاعلون الآلهة والأنداد نصيبا فيما رزقناكم شركا بالله وكفرا ، ليسألنكم الله يوم القيامة عما كنتم في الدنيا تفترون ، يعني : تختلقون من الباطل والإفك على الله بدعواكم له شريكا ، وتصييركم لأوثانكم فيما رزقكم نصيبا ، ثم ليعاقبنكم عقوبة تكون جزاء لكفرانكم نعمه وافترائكم عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ يقول تعالى ذكره : ومن جهل هؤلاء المشركين وخبث فعلهم وقبح فريتهم على ربهم ، أنهم يجعلون لمن خلقهم ودبرهم وأنعم عليهم ، فاستوجب بنعمه عليهم الشكر ، واستحق عليهم الحمد الْبَناتِ ، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى سبحانه ، نزه جل جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات ، فلم يرضوا بجهلهم إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه . ولا ينبغي أن يكون له من الولد أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها ، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم . وفي " ما " التي في قوله : وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ وجهان من العربية : النصب عطفا لها على " البنات " ، فيكون معنى الكلام إذا أريد ذلك : ويجعلون لله البنات ولهم البنين الذين يشتهون ، فتكون " ما " للبنين ، والرفع على أن الكلام مبتدأ من قوله : وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ فيكون معنى الكلام : ويجعلون لله البنات ولهم البنون . وقوله : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا يقول : وإذا بشر أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات بولادة ما يضيفه إليه من ذلك له ، ظل وجهه مسودا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحه 83
پدیدآورندگان: محمد بن جرير الطبري
ص۸۳