تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
أهل الكفر به وبرسوله ، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك ؛ وذلك أنه عقب ذلك بقوله :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
فدل بذلك على تقريعه المشركين ووعيده لهم . وبعد ، فإنه لم يبلغنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تفرض عليهم فيقال لهم من أجل ذلك : قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها . وأما مستعجلو العذاب من المشركين ، فقد كانوا كثيرا . وقوله سبحانه وتعالى :
عَمَّا يُشْرِكُونَ
يقول تعالى ذكره : تنزيها لله وعلوا له عن الشرك الذي كانت قريش ومن كان من العرب على مثل ما هم عليه يدين به . واختلفت القراء في قراءة قوله تعالى :
عَمَّا يُشْرِكُونَ
فقرأ ذلك أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين :
عَمَّا يُشْرِكُونَ
بالياء على الخبر عن أهل الكفر بالله وتوجيه للخطاب بالاستعجال إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك قرءوا الثانية بالياء . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بالتاء على توجيه الخطاب بقوله :
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقوله تعالى : " عما يشركون " إلى المشركين . والقراءة بالتاء في الحرفين جميعا على وجه الخطاب للمشركين أولى بالصواب لما بينت من التأويل أن ذلك إنما هو وعيد من الله للمشركين ؛ ابتدأ أول الآية بتهديدهم وختم آخرها بنكير فعلهم واستعظام كفرهم على وجه الخطاب لهم . القول في تأويل قوله تعالى :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ
فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ
بالياء وتشديد الزاي ونصب الملائكة ، بمعنى ينزل الله الملائكة بالروح . وقرأ ذلك بعض البصريين وبعض المكيين : " ينزل الملائكة " بالياء وتخفيف الزاي ونصب الملائكة . وحكي عن بعض الكوفيين أنه كان يقرؤه : " تنزل الملائكة " بالتاء وتشديد الزاي والملائكة بالرفع ، على اختلاف عنه في ذلك . وقد روي عنه موافقة سائر قراء بلده . وأولى القراءات بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ
بمعنى : ينزل الله ملائكة . وإنما اخترت ذلك ، لأن الله هو المنزل ملائكته بوحيه إلى رسله ، فإضافة فعل ذلك إليه أولى وأحق واخترت " ينزل " بالتشديد على التخفيف ، لأنه تعالى ذكره كان ينزل من الوحي على من نزله شيئا بعد شيء ، والتشديد به إذ كان ذلك معناه أولى من التخفيف . فتأويل الكلام : ينزل الله ملائكته بما يحيا به الحق ويضمحل به الباطل من أمره
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
يعني على من يشاء من رسله
أَنْ أَنْذِرُوا
ف " أن " الأولى في موضع خفض ، ردا على " الروح " ، والثانية في موضع نصب ب " أنذروا " . ومعنى الكلام : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ، بأن أنذروا عبادي سطوتي على كفرهم بي وإشراكهم في اتخاذهم معي الآلهة والأوثان ، فإنه
لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
يقول : لا تنبغي الألوهة إلا لي ، ولا يصلح أن يبعد شيء سواي ،
فَاتَّقُونِ
يقول : فاحذروني بأداء فرائضي وإفراد العبادة وإخلاص الربوبية لي ، فإن ذلك نجاتكم من الهلكة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ
يقول : بالوحي . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ