صدورهم فنشبت في حلوقهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
انتزعت حتى صارت في حناجرهم لا تخرج من أفواههم ، ولا تعود إلى أمكنتها . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل ذلك قول من قال : معناه : أنها خالية ليس فيها شيء من الخير ، ولا تعقل شيئا ؛ وذلك أن العرب تسمي كل أجوف خاو : هواء ؛ ومنه قول حسان بن ثابت :
ألا أبلغ أبا سفيان عني * فأنت مجوف نخب هواء
ومنه قول الآخر :
ولا تك من أخذان كل يراعة * هواء كسقب البان جوف مكاسرة
القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ
يقول تعالى ذكره : وأنذر يا محمد الناس الذين أرسلتك إليهم داعيا إلى الإسلام ما هو نازل بهم ، يوم يأتيهم عذاب الله في القيامة .
فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا
يقول :
فيقول الذين كفروا بربهم ، فظلموا بذلك أنفسهم :
رَبَّنا أَخِّرْنا
: أي أخر عنا عذابك ، وأمهلنا
إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ
الحق ، فنؤمن بك ، ولا نشرك بك شيئا ؛
وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ
يقولون : ونصدق رسلك فنتبعهم على ما دعوتنا إليه من طاعتك واتباع أمرك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ
قال : يوم القيامة
فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
قال : مدة يعملون فيها من الدنيا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ
يقول : أنذرهم في الدنيا قبل أن يأتيهم العذاب . وقوله :
فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا
رفع عطفا على قوله :
يَأْتِيهِمُ
في قوله :
يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ
وليس بجواب للأمر ، ولو كان جوابا لقوله :
وَأَنْذِرِ النَّاسَ
جاز فيه الرفع والنصب . أما النصب فكما قال الشاعر :
يا ناق سيري عنقا فسيحا * إلى سليمان فنستريحا
والرفع على الاستئناف . وذكر عن العلاء بن سيابة أنه كان ينكر النصب في جواب الأمر بالفاء ، قال الفراء :
وكان العلاء هو الذي علم معاذا وأصحابه . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ
وهذا تقريع من الله تعالى ذكره للمشركين من قريش بعد أن دخلوا النار بإنكارهم في الدنيا البعث بعد الموت . يقول لهم إذ سألوه رفع العذاب عنهم وتأخيرهم لينيبوا ويتوبوا :
أَ وَلَمْ تَكُونُوا
في الدنيا
أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ
يقول : ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة ، وإنكم إنما تموتون ، ثم لا تبعثون ؟ كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال :
أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ
كقوله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى
ثم قال :
ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ
قال : الانتقال من الدنيا إلى الآخرة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا سلمة ؛ وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ
قال : لا تموتون لقريش . حدثني القاسم ، قال : ثنا سويد ، قال :
أخبرنا ابن المبارك ، عن الحكم ، عن عمرو بن أبي ليلى أحد بني عامر ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : بلغني ، أو ذكر لي أن أهل النار ينادون :
رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ
فرد عليهم :
أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ