حبيب ، قال : إن حق الله أثقل من أن تقوم به العباد ، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد ؛ ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ . . .
تَبِعَنِي فَإِنَّهُ
يقول تعالى ذكره :
وَ
اذكر يا محمد
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
يعني الحرم ، بلدا آمنا أهله وسكانه .
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
يقال منه : جننته الشر فأنا أجنبه جنبا وجنبته الشر ، فأنا أجنبه تجنيبا ، وأجنبته ذلك فأنا أجنبه إجنابا .
ومن " جنبت " قول الشاعر :
وتنفض مهده شفقا عليه * وتجنبه فلا يصئى الصعابا
ومعنى ذلك : أبعدني وبني من عبادة الأصنام ، والأصنام : جمع صنم ، والصنم : هو التمثال المصور ، كما قال رؤبة بن العجاج في صفة امرأة :
وهنانة كالزون يجلى صنمة * تضحك عن أشنب عذب ملثمة
وكذلك كان مجاهد يقول : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
قال : فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده ، قال : فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته . والصنم : التمثال المصور ، ما لم يكن صنما فهو وثن . قال : واستجاب الله له ، وجعل هذا البلد آمنا ، ورزق أهله من الثمرات ، وجعله إماما ، وجعل من ذريته من يقيم الصلاة ، وتقبل دعاءه ، فأراه مناسكة ، وتاب عليه . حدثنا ابن حميد ، قال :
ثنا جرير ، عن مغيرة ، قال : كان إبراهيم التيمي يقص ، ويقول في قصصه : من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم ، حين يقول : رب
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
وقوله :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
يقول : يا رب إن الأصنام أضللن : يقول : أزلن كثيرا من الناس عن طريق الهدى وسبيل الحق حتى عبدوهن ، وكفروا بك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
يعني الأوثان . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، عن عمرو ، عن سعيد ، عن قتادة :
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
قال : الأصنام . وقوله :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي
يقول : فمن تبعني على ما أنا عليه من الإيمان بك وإخلاص العبادة لك وفراق عبادة الأوثان ، فإنه مني : يقول : فإنه مستن بسنتي ، وعامل بمثل عملي .
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول : ومن خالف أمري فلم يقبل مني ما دعوته إليه ، وأشرك بك ، فإنه غفور لذنوب المذنبين الخطائين بفضلك ، رحيم بعبادك تعفو عمن تشاء منهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
اسمعوا إلى قول خليل الله إبراهيم ، لا والله ما كانوا طعانين ولا لعانين كان يقال : إن من أشر عباد الله كل طعان لعان ، قال نبي الله ابن مريم علي السلام :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
حدثني المثنى ، قال : ثنا أصبغ بن الفرج ، قال : أخبرني ابن وهب ، قال : ثنا عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة ، حدثه عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وقال عيسى :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فرفع يديه ثم قال : اللهم أمتي ، اللهم أمتي وبكى . فقال الله تعالى : يا جبرئيل اذهب إلى محمد وربك أعلم فاسأله ما يبكيه ؟ فأتاه جبرئيل فسأله ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال . قال : فقال الله : يا جبرئيل