تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
الخفض ، وبالخفض كان يقرأه . والصواب من القول في ذلك عندي ، أنهم قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء معناهما واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقد يجوز أن يكون الذي قرأه بالرفع ، أراد معنى من خفض في اتباع الكلام بعضه بعضا ، ولكنه رفع لانفصاله من الآية التي قبله ، كما قال جل ثناؤه :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
إلى آخر الآية ، ثم قال :
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ
ومعنى قوله :
اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
الله الذي يملك جميع ما في السماوات وما في الأرض يقول لنييه محمد صلى الله عليه وسلم : أنزلنا إليك هذا الكتاب لتدعو عبادي إلى عبادة من هذه صفته ، ويدعوا عبادة من لا يملك لهم ولا لنفسه ضرا ولا نفعا من الآلهة والأوثان . ثم توعد جل ثناؤه من كفر به ولم يستجب لدعاء رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له ، فقال :
وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ
يقول : الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم ، لمن جحد وحدانيته وعبد معه غيره ، من عذاب الله الشديد . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
يعني جل ثناؤه بقوله :
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
الذين يختارون الحياة الدنيا ومتاعها ومعاصي الله فيها على طاعة الله وما يقربهم إلى رضاه من الأعمال النافعة في الآخرة .
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
يقول : ويمنعون من أراد الإيمان بالله واتباع رسوله على ما جاء به من عند الله من الإيمان به واتباعه .
وَيَبْغُونَها عِوَجاً
يقول : ويلتمسون سبيل الله ، وهي دينه الذي ابتعث به رسوله . عوجا : تحريفا وتبديلا بالكذب والزور . " والعوج " بكسر العين وفتح الواو في الدين والأرض وكل ما لم يكن قائما ، فأما في كل ما كان قائما كالحائط والرمح والسن فإنه يقال بفتح العين والواو جميعا " عوج " يقول الله عز ذكره :
أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
يعني : هؤلاء الكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ، يقول : هم في ذهاب عن الحق بعيد ، وأخذ على غير هدى ، وجور عن قصد السبيل . وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول " على " في قوله :
عَلَى الْآخِرَةِ
فكان بعض نحويى البصرة يقول : أوصل الفعل ب " على " ، كما قيل : ضربوه في السيف ، يريد بالسيف ، ذلك أن هذه الحروف يوصل بها كلها وتحذف ، نحو قول العرب : نزلت زيدا ، ومررت زيدا ، يريدون : مررت به ، ونزلت عليه . وقال بعضهم : إنما أدخل ذلك ، لأن الفعل يؤدي عن معناه من الأفعال ، ففي قوله :
يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
لذلك أدخلت " على " . وقد بينت هذا ونظائره في غير موضع من الكتاب بما أغنى عن الإعادة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يقول تعالى ذكره : وما أرسلنا إلى أمة من الأمم يا محمد من قبلك ومن قبل قومك رسولا إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليها ولغتهم ،
لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
يقول : ليفهمهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونهيه ، ليثبت حجة الله عليهم ، ثم التوفيق والخذلان بيد الله ، فيخذل عن قبول ما أتاه به رسوله من عنده من شاء منهم ، ويوفق لقبوله من شاء ؛ ولذلك رفع " فيضل " ، لأنه أريد به الابتداء لا العطف على ما قبله ، كما قيل :
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ
وهو العزيز الذي لا يمتنع مما أراده من ضلال أو هداية من أراد ذلك به ، والحكيم في توفيقه للإيمان من وفقه له وهدايته له من هداه إليه ، وفي إضلاله من أضل عنه ،