، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي ، قال : قال يوسف لهما :
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ
في النوم
إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ
في اليقظة حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال يوسف لهما :
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ
يقول : في نومكما
إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ
ويعنى بقوله
بِتَأْوِيلِهِ
: ما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه . وقوله :
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
يقول : هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا مما علمني ربى فعلمته .
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وجاء الخبر مبتدأ : أي تركت ملة قوم ، والمعنى : ما ملت وإنما ابتدأ بذلك لأن في الابتداء الدليل على معناه وقوله :
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
يقول : إني برئت من ملة من لا يصدق بالله ، ويقر بوحدانيته .
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
يقول : وهم مع تركهم الإيمان بوحدانية الله لا يقرون بالمعاد والبعث ولا بثواب ولا عقاب .
وكررت " هم " مرتين ، فقيل :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
لما دخل بينهما قوله :
بِالْآخِرَةِ
فصارت " هم " الأولى كالملغاة ، وصار الاعتماد على الثانية ، كما قيل :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
وكما قيل :
أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
. فإن قال قائل : ما وجه هذا الخبر ومعناه من يوسف ، وأين جوابه الفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما من هذا الكلام ؟ قيل له : إن يوسف كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما لما علم من مكروه ذلك على أحدهما ، فأعرض عن ذكره وأخذ في غيره ليعرضا عن مسألته الجواب بما سألاه من ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله :
إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ
. قال : فكره العبارة لهما ، وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علما . وكان الملك إذا أراد قتل إنسان ، صنع له طعاما معلوما ، فأرسل به إليه ، ف
قالَ
يوسف :
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ
إلى قوله :
يَشْكُرُونَ
. فلم يدعاه ، فعدل بهما ، وكره العبارة لهما ، فلم يدعاه حتى يعبر لهما ، فعدل بهما وقال :
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
إلى قوله :
يَعْلَمُونَ
فلم يدعاه حتى عبر لهما ، فقال :
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ
. قالا : ما رأينا شيئا ، إنما كنا نلعب قال :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
وعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج . . . عن ابن جريج ، في قوله :
إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ . . .
فقوله :
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ
في اليقظة لا في النوم . وإنما أعلمهما على هذا القول أن عنده علم ما يؤول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره ، لأنه قد علم النوع الذي إذا أتاهما كان علامة لقتل من أتاه ذلك منهما ، والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك ، فأخبرهما أنه عنده علم ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
يعني بقوله :
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك .
ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
يقول : ما جاز لنا أن نجعل لله شريكا في عبادته وطاعته ، بل الذي علينا إفراده بالألوهة والعبادة .
ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا
يقول : اتباعي ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب على الإسلام ، وتركي
مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
، من فضل الله الذي تفضل به علينا ، فأنعم إذ أكرمنا به .
وَعَلَى النَّاسِ
يقول : وذلك أيضا من فضل الله على الناس ، إذ أرسلنا إليهم دعاة إلى توحيده وطاعته .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
يقول : ولكن من يكفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه ، لأنه لا يعلم من أنعم به عليه ولا يعرف المتفضل به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا
أن جعلنا أنبياء .
وَعَلَى النَّاسِ
يقول : أن بعثنا إليهم رسلا