الشمس مطلعا ، وغربت مغربا ، فيجعلونها وهي أسماء خلفا من المصادر ، فكذلك السجن ، فإذا فتحت السين من السجن كان مصدرا صحيحا . وقد ذكر عن بعض المتقدمين أنه يقرؤه : " السجن أحب إلي " بفتح السين . ولا أستجيز القراءة بذلك لإجماع الحجة من القراء على خلافها . وتأويل الكلام : قال يوسف : يا رب الحبس في السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من معصيتك ويراودنني عليه من الفاحشة . كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
: من الزنا حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال يوسف ، وأضاف إلى ربه واستعانه على ما نزل به :
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
: أي السجن أحب إلي من أن آتي ما تكره وقوله :
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ
يقول : وإن لم تدفع عني يا رب فعلهن الذي يفعلن بي في مراودتهن إياي على أنفسهن أصب إليهن ، يقول : أميل إليهن ، وأتابعهن على ما يردن مني ، ويهوين من قول القائل : صبا فلان إلى كذا ، ومنه قول الشاعر :
إلى هند صبا قلبي * وهند مثلها يصبي
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
أَصْبُ إِلَيْهِنَّ
يقول : أتابعهن حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ
: أي ما أتخوف منهن
أَصْبُ إِلَيْهِنَّ
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
قال :
إلا يكن منك أنت العون والمنعة ، لا يكن مني ولا عندي وقوله :
وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
يقول : وأكن بصبوتي إليهن من الذين جهلوا حقك وخالفوا أمرك ونهيك . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
: أي جاهلا إذا ركبت معصيتك القول في تأويل قوله تعالى :
فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
إن قال قائل : وما وجه قوله :
فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ
ولا مسألة تقدمت من يوسف لربه ، ولا دعا بصرف كيدهن عنه ، وإنما أخبر ربه أن السجن أحب إليه من معصيته ؟ قيل : إن في إخباره بذلك شكاية منه إلى ربه مما لقي منهن ، وفي قوله :
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ
معنى دعاء ومسألة منه ربه صرف كيدهن ، ولذلك قال الله تعالى ذكره :
فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ
وذلك كقول القائل لآخر : إن لا تزرني أهنك ، فيجيبه الآخر : إذن أزورك ، لأن في قوله : إن لا تزرني أهنك ، معنى الأمر بالزيارة . وتأويل الكلام : فاستجاب الله ليوسف دعاءه ، فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
: أي نجاه من أن يركب المعصية فيهن ، وقد نزل به بعض ما حذر منهن وقوله :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
دعاء يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه ودعاء كل داع من خلقه .
الْعَلِيمُ
بمطلبه وحاجته ، وما يصلحه ، وبحاجة جميع خلقه وما يصلحهم . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ
يقول تعالى ذكره : ثم بدا للعزيز زوج المرأة التي راودت يوسف عن نفسه .
وقيل : " بدا لهم " ، وهو واحد ، لأنه لم يذكر باسمه ويقصد بعينه ، وذلك نظير قوله :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
وقيل : إن قائل ذلك كان واحدا . وقيل : معنى قوله :
ثُمَّ بَدا لَهُمْ
في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقا ، ورأوا أن يسجنوه
مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ
ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز . وتلك الآيات كانت : قد القميص من دبر ، وخمشا في الوجه ، وقطع أيديهن ، كما :