تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
أبو جعفر : قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله
الر
والصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وقوله :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
يعني : هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو القرآن . ورفع قوله : " كتاب " بنية : هذا كتاب . فأما على قول من زعم أن قوله :
الر
مراد به سائر حروف المعجم التي نزل بها القرآن ، وجعلت هذه الحروف دلالة على جميعها ، وأن معنى الكلام : هذه الحروف كتاب أحكمت آياته ، فإن الكتاب على قوله ينبغي أن يكون مرفوعا بقوله :
الر
وأما قوله :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : تأويله : أحكمت آياته بالأمر والنهي ، ثم فصلت بالثواب والعقاب . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرني أبو محمد الثقفي ، عن الحسن ، في قوله :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
قال : أحكمت بالأمر والنهي ، وفصلت بالثواب والعقاب حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا عبد الكريم بن محمد الجرجاني ، عن أبي بكر الهذلي ، عن الحسن :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
قال : أحكمت في الأمر والنهى وفصلت بالوعيد حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد اله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، عن رجل ، عن الحسن :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
قال : بالأمر والنهي
ثُمَّ فُصِّلَتْ
قال : بالثواب والعقاب وروي عن الحسن قول خلاف هذا . وذلك ما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن أبي بكر ، عن الحسن ، قال : وحدثنا عباد بن العوام ، عن رجل ، عن الحسن :
أُحْكِمَتْ
بالثواب والعقاب
ثُمَّ فُصِّلَتْ
بالأمر والنهي وقال آخرون : معنى ذلك : أحكمت آياته من الباطل ، ثم فصلت ، فبين منها الحلال والحرام ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بعلمه ، فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
قال : أحكمها الله من الباطل ، ثم فصلها : بينها وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : أحكم الله آياته من الدخل والخلل والباطل ، ثم فصلها بالأمر والنهي . وذلك أن إحكام الشيء إصلاحه وإتقانه ، وإحكام آيات القرآن إحكامها من خلل يكون فيها أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قبله . وأما تفصيل آياته فإنه تمييز بعضها من بعض بالبيان عما فيها من حلال وحرام وأمر ونهي . وكان بعض المفسرين يفسر قوله :
فُصِّلَتْ
بمعنى : فسرت ، وذلك نحو الذي قلنا فيه من القول ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، قال : ثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
ثُمَّ فُصِّلَتْ
قال : فسرت حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
فُصِّلَتْ
قال : فسرت حدثنا ابن وكيع قال : ثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، قال : بلغني ، عن مجاهد :
ثُمَّ فُصِّلَتْ
قال : فسرت حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقال قتادة : معناه : بينت ، وقد ذكرنا الرواية بذلك قبل ، وهو شبيه المعنى بقول مجاهد . وأما قوله :
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
فإن معناه : حكيم بتدبير الأشياء وتقديرها ، خبير بما يؤول إليه عواقبها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله :
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
يقول : من عند حكيم خبير القول في تأويل قوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
يقول تعالى ذكره : ثم فصلت بأن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له وتخلعوا