والذين يجمعون الذهب والفضة بعضها إلى بعض ،
وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وهو عام في التلاوة ، لم يكن في الآية بيان كم ذلك القدر من الذهب والفضة الذي إذا جمع بعضه إلى بعض استحق الوعيد ؛ كان معلوما أن خصوص ذلك إنما أدرك بوقف الرسول عليه ، وذلك كما بينا من أنه المال الذي لم يؤد حق الله منه من الزكاة دون غيره لما قد أوضحنا من الدلالة على صحته . وقد كان بعض الصحابة يقول : هي عامة في كل كنز ، غير أنها خاصة في أهل الكتاب وإياهم عنى الله بها . ذكرمن قال ذلك : حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس ، قال : ثنا هشيم ، قال : ثنا حصين عن زيد بن وهب ، قال : مررت بالربذة ، فلقيت أبا ذر ، فقلت : يا أبا ذر ، ما أنزلك هذه البلاد ؟ قال : كنت بالشام ، فقرأت هذه الآية :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
الآية ، فقال معاوية : ليست هذه الآية فينا ، إنما هذه الآية في أهل الكتاب .
قال : فقلت إنها لفينا وفيهم . قال : فارتفع في ذلك بيني وبينه القول ، فكتب إلى عثمان يشكوني ، فكتب إلي عثمان : أن أقبل إلي قال : فأقبلت ؛ فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذ ، فشكوت ذلك إلى عثمان ، فقال لي : تنح قريبا قلت : والله لن أدع ما كنت أقول . حدثنا أبو كريب وأبو السائب وابن وكيع ، قالوا : ثنا ابن إدريس ، قال ثنا حصين ، عن زيد بن وهب ، قال : مررنا بالربذة ، ثم ذكر عن أبي ذر نحوه . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن أشعث ، وهشام ، عن أبي بشر ، قال : قال أبو ذر : خرجت إلى الشام فقرأت هذه الآية :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فقال معاوية : إنما هي في أهل الكتاب ، قال : فقلت : إنها لفينا وفيهم . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن زيد بن وهب ، قال : مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر ، قال : قلت له : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام ، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قال : فقال : نزلت في أهل الكتاب . فقلت : نزلت فينا وفيهم . ثم ذكر نحو حديث هشيم عن حصين . . . ثنا هشيم ، قال : ثنا حصين عن زيد بن وهب ، قال : مررت بالربذة ، فلقيت . . . . فإن قال قائل : فكيف قيل :
وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فأخرجت الهاء والألف مخرج الكناية عن أحد النوعين ؟ قيل : يحتمل ذلك وجهين : أحدهما أن يكون الذهب والفضة مرادا بها الكنوز ، كأنه قيل :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الكنوز
وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
لأن الذهب والفضة هي الكنوز في هذا الموضع . والأخر أن يكون استغنى بالخبر عن إحداهما في عائد ذكرهما من الخبر عن الأخرى ، لدلالة الكلام على الخبر عن الأخرى مثل الخبر عنها . وذلك كثير موجود في كلام العرب وأشعارها ، ومنه قول الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف
فقال : راض ، ولم يقل : رضوان . وقال الآخر :
إن شرح الشباب والشعر * ود ما لم يعاص كان جنونا
فقال : يعاص ، ولم يقل : " يعاصيا " في أشياء كثيرة . ومنه قول الله :
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها
ولم يقل : " إليهما " القول في تأويل قوله تعالى :
يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
يقول تعالى ذكره : فبشر هؤلاء الذين يكنزون الذهب والفضة ، ولا يخرجون حقوق الله منها يا محمد بعذاب أليم ؛
يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ
فاليوم من صلة العذاب الأليم ، كأنه قيل : يبشرهم بعذاب أليم يعذبهم الله به في يوم يحمى عليها .