إنا استعرنا يوم خرجنا من القبط حليا كثيرا من زينتهم ، وإن الذين معك قد اسرعوا في الحلي يبيعونه وينفقونه ، وإنما كان عارية من آل فرعون فليسوا بأحياء فنردها عليهم ، ولا ندري لعل أخاك نبي الله موسى إذا جاء يكون له فيها رأي ، إما يقربها قربانا فتأكلها النار ، وإما يجعلها للفقراء دون الأغنياء . فقال له هارون : نعم ما رأيت وما قلت فأمر مناديا فنادى : من كان عنده شيء من حلي آل فرعون فليأتنا به فأتوه به ، فقال هارون يا سامري أنت أحق من كانت عنده هذه الخزانة . فقبضها السامري ، وكان عدو الله الخبيث صائغا ، فصاغ منه عجلا جسدا ، ثم قذف في جوفه تربة من القبضة التي قبض من أثر فرس جبريل عليه السلام إذ رآه في البحر ، فجعل يخور ، ولم يخر إلا مرة واحدة ، وقال لبني إسرائيل : إنما تخلف موسى بعد الثلاثين ليلة يلتمس هذا
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ
يقول : إن موسى عليه السلام نسي ربه . القول في تأويل قول تعالى :
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
يقول تعالى ذكره : ولما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن يلقانا فيه ، وكلمه ربه وناجاه ، قال موسى لربه :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
قال الله له مجيبا :
لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
وكان سبب مسألة موسى ربه النظر إليه ، ما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : إن موسى عليه السلام لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه ،
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
فحف حول الجبل ، وحف حول الملائكة بنار ، وحف حول النار بملائكة ، وحف حول الملائكة بنار ، ثم تجلى ربه للجبل . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال :
ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، في قوله :
وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا
قال : ثني من لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قربه الرب حتى سمع صريف القلم ، فقال عند ذلك من الشوق إليه :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
حدثنا القاسم ، قال : ثني الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر الهذلي ، قال : لما تخلف موسى عليه السلام بعد الثلاثين ، حتى سمع كلام الله اشتاق إلى النظر إليه ، فقال :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي
وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا ، من نظر إلي مات . قال : إلهي سمعت منطقك واشتقت إلى النظر إليك ، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك قال : فانظر إلى الجبل ، فإن استقر مكانه فسوف تراني . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
قال : أعطني . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : استخلف موسى هارون على بني إسرائيل ، وقال : إني متعجل إلى ربي ، فاخلفني في قومي ، ولا تتبع سبيل المفسدين فخرج موسى إلى ربه متعجلا للقيه شوقا إليه ، وأقام هارون في بني إسرائيل ، ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به . فلما كلم الله موسى ، طمع في رؤيته ، فسأل ربه أن ينظر إليه ، فقال الله لموسى : إنك
لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
الآية : قال ابن إسحاق : فهذا ما وصل إلينا في كتاب الله عن خبر موسى لما طلب النظر إلى ربه . وأهل الكتاب يزعمون وأهل التوراة ، أن قد كان لذلك تفسير وقصة وأمور كثيرة ومراجعة لم تأتنا في كتاب الله ، والله أعلم . قال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأول بأحاديث أهل الكتاب : إنهم يجدون في تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلى ربه أنه كان من كلامه