ونهيه ، فأولئك الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته ؛
بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ
يقول : بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون ، فلا يقرون بصحتها ، ولا يوقنون بحقيقتها .
كالذي : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد :
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ
قال : حسناته . وقيل : " فأولئك " و " من " في لفظ الواحد ، لأن معناه الجمع ، ولو جاء موحدا كان صوابا فصيحا .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
يقول تعالى ذكره : ولقد وطأنا لكم أيها الناس في الأرض ، وجعلناها لكم قرارا تستقرون فيها ، ومهادا تمتهدونها ، وفراشا تفترشونها .
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ
تعيشون بها أيام حياتكم ، من مطاعم ومشارب ، نعمة مني عليكم وإحسانا منى إليكم .
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
يقول : وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري ، واتخاذكم إلها سواي . والمعايش : جمع معيشة . واختلفت القراء في قراءتها ، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار :
مَعايِشَ
بغير همز ، وقرأه عبد الرحمن الأعرج : " معائش " بالهمز . والصواب من القراءة في ذلك عندنا :
مَعايِشَ
بغير همز ، لأنها مفاعل من قول القائل : عشت تعيش ، فالميم فيها زائدة والياء في الحكم متحركة ، لأن واحدها مفعلة معيشة متحركة الياء ، نقلت حركة الياء منها إلى العين في واحدها ؛ فلما جمعت ردت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها . وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال مفاعل ، وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال فعائل التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل ، فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال فالعرب تهمزه كقولهم : هذه مدائن وصحائف ونظائر ، لأن مدائن جمع مدينة ، والمدينة : فعيلة من قولهم : مدنت المدينة ، وكذلك صحائف جمع صحيفة ، والصحيفة فعيلة من قولك : صحفت الصحيفة ، فالياء في واحدها زائدة ساكنة ، فإذا جمعت همزت لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها ، وذلك أنها كانت في واحدها ساكنة ، وهي في الجمع متحركة ، ولو جعلت مدينة مفعلة من دان يدين ، وجمعت على مفاعل ، كان الفصيح ترك الهمز فيها وتحريك الياء . وربما همزت العرب جمع مفعلة في ذوات الياء والواو وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها ، إذا جاءت على مفاعل تشبيها منهم جمعها بجمع فعيلة ، كما تشبه مفعلا بفعيل ، فتقول :
مسيل الماء ، من سال يسيل ، ثم تجمعها جمع " فعيل " ، فتقول هي أمسلة في الجمع تشبيها منهم لها بجمع بعير وهو فعيل ، إذ تجمعه أبعرة ، وكذلك يجمع المصير وهو مفعل مصران ، تشبيها له بجمع بعير وهو فعيل ، إذ تجمعه بعران ، وعلى هذا همز الأعرج : " معائش " ، وذلك ليس بالفصيح في كلامها .
وأولى ما قرئ به كتاب الله من الألسن ، أفصحها وأعرفها دون أنكرها وأشذها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويل ذلك :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ
في ظهر آدم أيها الناس ،
ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
في أرحام النساء خلقا مخلوقا ومثالا مثلا في صورة آدم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي