في كلام العرب ، وقد بينا معنى ذلك بشواهده وأدلته في قوله :
ضَيِّقاً حَرَجاً
بما أغنى عن إعادته . وقال أهل التأويل في ذلك ، ما : حدثني به محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، في قوله :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
قال : لا تكن في شك منه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
قال : شك . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، قال : ثنا معمر ، عن قتادة :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
شك منه . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة مثله حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
قال : أما الحرج : فشك . حدثنا الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو سعد المدني ، قال : سمعت مجاهد ا ، في قوله :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
قال : شك من القرآن .
قال أبو جعفر : وهذا الذي ذكرته من التأويل عن أهل التأويل هو معنى ما قلنا في الحرج ؛ لأن الشك فيه لا يكون إلا من ضيق الصدر به وقلة الاتساع لتوجيهه وجهته التي هي وجهته الصحيحة . وإنما اخترنا العبارة عنه بمعنى الضيق ، لأن ذلك هو الغالب عليه من معناه في كلام العرب ، كما قد بيناه قبل .
القول في تأويل قوله تعالى :
لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
يعني بذلك تعالى ذكره : هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد لتنذر به من أمرتك بإنذاره ،
وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
وهو من المؤخر الذي معناه التقديم ، ومعناه :
كتاب أنزل إليك لتنذر به ، وذكر للمؤمنين ، فلا يكن في صدرك حرج منه . وإذا كان ذلك معناه كان موضع قوله :
وَذِكْرى
نصبا بمعنى : أنزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر به ، وتذكر به المؤمنين . ولو قيل : معنى ذلك : هذا كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه أن تنذر به وتذكر به المؤمنين ، كان قولا غير مدفوعة صحته . وإذا وجه معنى الكلام إلى هذا الوجه كان في قوله :
وَذِكْرى
من الإعراب وجهان :
أحدهما النصب بالرد على موضع لتنذر به ، والآخر الرفع عطفا على الكتاب ، كأنه قيل : المص كتاب أنزل إليك وذكرى للمؤمنين . القول في تأويل قوله تعالى :
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام : اتبعوا أيها الناس ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى ، واعملوا بما أمركم به ربكم ،
وَلا تَتَّبِعُوا
شيئا
مِنْ دُونِهِ
يعني : شيئا غير ما أنزل إليكم ربكم ، يقول : لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان ، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم . فإن قال قائل : وكيف قلت : معنى الكلام قل اتبعوا ، وليس في الكلام موجودا ذكر القول ؟ قيل : إنه وإن لم يكن مذكورا صريحا ، فإن في الكلام دلالة عليه ، وذلك قوله :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ
، ففي قوله : " لتنذر به " الأمر بالإنذار ، وفي الأمر بالإنذار الأمر بالقول لأن الإنذار قول . فكان معنى الكلام : أنذر القوم وقل لهم : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم . ولو قيل : معناه لتنذر به