ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الأعلى ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : كانوا يرضخون لقرابتهم من المشركين . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن أبيه إدريس ، عن عطية :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
الزكاة قال : نسخه العشر ونصف العشر ؛ كانوا يعطون إذا حصدوا وإذا ذروا ، فنسختها العشر ونصف العشر .
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قول من قال : كان ذلك فرضا فرضه الله على المؤمنين في طعامهم وثمارهم التي تخرجها زروعهم وغروسهم ، ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة ، والوظيفة المعلومة من العشر ونصف العشر ؛ وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم أن صدقة الحرث لا تؤخذ إنه بعد الدياس والتنقية والتذرية ، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان قوله جل ثناؤه :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
ينبئ عن أنه أمر من الله جل ثناؤه بإيتاء حقه يوم حصاده ، وكان يوم حصاده هو يوم جده وقطعه ؛ والحب لا شك أنه في ذلك اليوم في سنبله ، والثمر وإن كان ثمر نخل أو كرم غير مستحكم جفوفه ويبسه ، وكانت الصدقة من الحب إنما تؤخذ بعد دياسه وتذريته وتنقيته كيلا ، والتمر إنما تؤخذ صدقته بعد استحكام يبسه وجفوفه كيلا ؛ علم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حصده غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حصاده . فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون ذلك إيجابا من الله في المال حقا سوى الصدقة المفروضة ؟ قيل : لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضا واجبا أو نفلا ، فإن يكن فرضا واجبا فقد وجب أن يكون سبيله سبيل الصدقات المفروضات التي من فرط في أدائها إلى أهلها كان بربه آثما ولأمره مخالفا ، وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجب وجوب الزكاة سوى ما يجب من النفقة لمن يلزم المرء نفقته ما ينبئ عن أن ذلك ليس كذلك .
أو يكون ذلك نفلا ، فإن يكن ذلك كذلك فقد وجب أن يكون الخيار في إعطاء ذلك إلى رب الحرث والثمر ، وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما ينبئ عن أن ذلك ليس كذلك . وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادا بها الندب ، وكان غير جائز أن يكون لها مخرج في وجوب الفرض بها في هذا الوقت ، علم أنها منسوخة . وما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليل على صحته ، أنه جل ثناؤه اتبع قوله :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
ومعلوم أن من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدر ، أن القائم بأخذ ذلك ساستهم ورعاتهم . وإذا كان ذلك كذلك ، فما وجه نهي رب المال عن الإسراف في إيتاء ذلك ، والآخذ مجبر ، وإنما يأخذ الحق الذي فرض الله فيه ؟ فإن ظن ظان أن ذلك إنما هو نهي من الله القيم بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدي في مال رب المال والتجاوز إلى أخذ ما لم يبح له أخذه ، فإن آخر الآية ، وهو قوله :
وَلا تُسْرِفُوا
معطوف على أوله وهو قوله :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
. فإن كان المنهي عن الإسراف القيم بقبض ذلك ، فقد يجب أن يكون المأمور بإتيانه المنهي عن الإسراف فيه ، وهو السلطان . وذلك قول إن قاله قائل ، كان خارجا من قول جميع أهل التأويل ومخالفا المعهود من الخطاب ، وكفى بذلك شاهدا على خطئه . فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون معنى قوله :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
وآتوا حقه يوم كيله ، لا يوم قصله وقطعه ، ولا يوم جداده وقطافه ، فقد علمت من قال ذلك من أهل التأويل ؟ وذلك ما : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال :