تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
يقول : وأغرق الله الذين كذبوا بحججه ولم يتبعوا رسله ولم يقبلوا نصيحته إياهم في الله بالطوفان .
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ
يقول : عمين عن الحق . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
عَمِينَ
قال : عن الحق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
قَوْماً عَمِينَ
قال : العمي : العامي عن الحق . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا ؛ ولذلك نصب " هودا " ، لأنه معطوف به على نوح عليهما السلام .
قالَ
هود :
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
فأفردوا له العبادة ، ولا تجعلوا معه إلها غيره ، فإنه ليس لكم إله غيره .
أَ فَلا تَتَّقُونَ
ربكم فتحذرونه وتخافون عقابه بعبادتكم غيره ، وهو خالقكم ورازقكم دون كل ما سواه ؟ القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا
يقول تعالى ذكره مخبرا عما أجاب هودا به قومه الذين كفروا بالله :
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا
يعني الذين جحدوا توحيد الله ، وأنكروا رسالة هود إليهم :
إِنَّا لَنَراكَ
يا هود
فِي سَفاهَةٍ
يعنون في ضلالة عن الحق والصواب ، بتركك ديننا وعبادة آلهتنا .
وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ
في قيلك إني رسول من رب العالمين .
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ
يقول : أي ضلالة عن الحق والصواب .
وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
أرسلني ، فأنا أبلغكم رسالات ربى وأؤديها إليكم كما أمرني أن أؤديها . القول في تأويل قوله تعالى :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ
. . . إِذْ جَعَلَكُمْ
يعنى بقوله :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي
أؤدي ذلك إليكم أيها القوم .
وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ
يقول : وأنا لكم في أمري إياكم بعبادة الله دون ما سواه من الأنداد والآلهة ، ودعائكم إلى تصديقي فيما جئتكم به من عند الله ، ناصح ، فاقبلوا نصيحتي ، فإني أمين على وحي الله وعلى ما ائتمنني الله عليه من الرسالة ، لا أكذب فيه ولا أزيد ولا أبدل ، بل أبلغ ما أمرت به كما أمرت .
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ
يقول : أو عجبتم أن أنزل الله وحيه بتذكيركم وعظتكم على ما أنتم عليه مقيمون من الضلالة ، على رجل منكم ، لينذركم بأس الله ويخوفكم عقابه .
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
يقول : فاتقوا الله في أنفسكم ، واذكروا ما حل بقوم نوح من العذاب إذ عصوا رسولهم وكفروا بربهم ، فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض منهم ، لما أهلكهم أبدلكم منهم فيها ، فاتقوا الله أن يحل بكم نظير ما حل بهم من العقوبة فيهلككم ويبدل منكم غيركم ، سنته في قوم نوح قبلكم على معصيتكم إياه وكفركم به .
وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً
زاد في أجسامكم طولا وعظما على أجسام قوم نوح ، وفي قوامكم على قوامهم ، نعمة منه بذلك عليكم ، فاذكروا نعمه وفضله الذي فضلكم به عليهم في أجسامكم وقوامكم ، واشكروا الله على ذلك بإخلاص العبادة له وترك الإشراك به وهجر الأوثان والأنداد .
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يقول : كي تفلحوا ، فتدركوا الخلود والبقاء في النعم في الآخرة ، وتنجحوا في طلباتكم عنده . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
يقول : ذهب بقوم نوح واستخلفكم من بعدهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
أي ساكني الأرض بعد قوم نوح . وبنحو الذي قلنا أيضا قالوا في تأويل
بَصْطَةً
. ذكر من قال ذلك :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 152 | محمد بن جرير الطبري