وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله :
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب واستعمال اللباس وترك التجرد والتعري وبالإيمان به واتباع أمره والعمل بطاعته ، وينهى عن الشرك به واتباع أمر الشيطان ؛ مؤكدا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله :
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
. وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله :
وَلِباسُ التَّقْوى
استشعار النفوس تقوى الله في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه والعمل بما أمر به من طاعته ؛ وذلك يجمع الإيمان والعمل الصالح والحياء وخشية الله والسمت الحسن ، لأن من اتقى الله كان به مؤمنا وبما أمره به عاملا ومنه خائفا وله مراقبا ، ومن أن يرى عندما يكرهه من عباده مستحسا . ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه ، فحسن سمته وهديه ورويت عليه بهجة الإيمان ونوره . وإنما قلنا : عنى بلباس التقوى استشعار النفس والقلب ذلك ؛ لأن اللباس إنما هو ادراع ما يلبس واحتباء ما يكتسى ، أو تغطية بدنه أو بعضه به ، فكل من ادرع شيئا أو احتبى به حتى يرى هو أو أثره عليه ، فهو له لابس ؛ ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسا وهن لهم لباسا ، وجعل الليل لعباده لباسا . ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله إذا قرئ قوله :
وَلِباسُ التَّقْوى
رفعا : حدثني محمد بن الحسين ، قال :
ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَلِباسُ التَّقْوى
الإيمان ؛
ذلِكَ خَيْرٌ
يقول : ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوآتكم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَلِباسُ التَّقْوى
قال : لباس التقوى خير ، وهو الإيمان . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ مِنْ آياتِ
يقول تعالى ذكره : ذلك الذي ذكرت لكم أني أنزلته إليكم أيها الناس من اللباس والرياش من حجج الله وأدلته التي يعلم بها من كفر صحة توحيد الله ، وخطأ ما هم عليه مقيمون من الضلالة .
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
يقول جل ثناؤه : جعلت ذلك لهم دليلا على ما وصفت ليذكروا ، فيعتبروا وينيبوا إلى الحق وترك الباطل ، رحمة منى بعبادي . القول في تأويل قوله تعالى :
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما
يقول تعالى ذكره : يا بني آدم لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوآتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم ، كما فعل بأبويكم أدم وحواء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما فأخرجهما بما سبب لهما من مكره وخدعه من الجنة ، ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس ليريهما سوآتهما بكشف عورتهما وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترة . وقد بينا فيما مضى أن معنى الفتنة الاختبار والابتلاء بما أغنى عن إعادته . وقد اختلف أهل التأويل في صفة اللباس الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه نزعه عن أبوينا وما كان ، فقال بعضهم : كان ذلك أظفارا . ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن عكرمة :
يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما
قال : لباس كل دابة منها ، ولباس الإنسان : الظفر ، فأدركت آدم التوبة عند ظفره ، أو قال : أظفاره . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الحميد الحماني ، عن نصر بن عمر ،