من قرأ :
وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ
بإضافة الشهادة إلى اسم " الله " وخفض اسم " الله " ، لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار التي لا يتناكر صحتها الأمة . وكان ابن زيد يقول في معنى ذلك : ولا نكتم شهادة الله وإن كان صاحبها بعيدا . حدثني بذلك يونس ، قال : أخبرنا ابن زيد عنه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ
يعني تعالى ذكره بقوله :
فَإِنْ عُثِرَ
فإن اطلع منهما ، أو ظهر . وأصل العثر : الوقوع على الشيء والسقوط عليه ، ومن ذلك قولهم : عثرت إصبع فلان بكذا : إذا صدمته وأصابته ، ووقعت عليه ؛ ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس :
بذات لوث عفرناة إذا عثرت * فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا
يعني بقوله : " عثرت " : أصاب ميسم خفها حجر أو غيره ، ثم يستعمل ذلك في كل واقع على شيء كان عنه خفيا ، كقولهم : " عثرت على الغزل بأخرة ، فلم تدع بنجد قردة " ، بمعنى : وقعت . وأما قوله :
عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً
الشهادة على الوصية فإنه يقول تعالى ذكره : فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله : لا نشتري بأيماننا ثمنا ، ولو كان ذا قربى ، ولا نكتم شهادة الله على أنهما استحقا إثما ، يقول :
على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثما ، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خنا ، ولا بدلنا ، ولا غيرنا ، فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئا ، أو غيرا وصيته ، أو بذلا ، فأثما بذلك من حلفهما بربهما ؛
فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما
يقول : يقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت الأوليان الموصى إليهما . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير :
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
الشهادة على الوصية قال : إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب ، فإنهما يحلفان بعد العصر ، فإذا اطلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئا ، حلف أولياء الميت إنه كان كذا وكذا ، ثم استحقوا .
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، بمثله . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله :
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
الشهادة على الوصية من غير المسلمين تحبسونهما من بعد الصلاة ، فإن ارتيب في شهادتهما ، استحلفا بعد الصلاة بالله : ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا ؛ فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما ، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله : إن شهادة الكافرين باطلة ، وإنا لم نعتد ؛ فذلك قوله :
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً
يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا ،
فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما
يقول : من الأولياء ، فحلفا بالله : إن شهادة الكافرين باطلة ، وإنا لم نعتد . فترد شهادة الكافرين ، وتجوز شهادة الأولياء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً
أي اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما . واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حكم الله تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين بعد أن عثر عليهما أنهما استحقا إثما .
فقال بعضهم : إنما ألزمهما اليمين إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى لغير الذي يجوز في حكم الإسلام ، وذلك أن يشهد أنه أوصى بماله كله ، أو أوصى أن يفضل بعض ولده ببعض ماله الشهادة على الوصية ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
إلى قوله :
ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
من أهل الإسلام ،
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
من غير أهل الإسلام ،
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
إلى :
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ
الشهادة على الوصية يقول : فيحلفان بالله بعد الصلاة ، فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى من الفريضة ، يعني اللذين ليسا من أهل الإسلام ، فآخران يقومان مقامهما من أولياء الميت ،