تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
كره الله لهم المسألة عن الحج ، أكل عام هو أم عاما واحدا ؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسئلته عن أبيه ، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلها ، فأخبر كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من آجله وأجل غيره . وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة ، لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذكرت صحاح ، فتوجيهها إلى الصواب من وجوهها أولى . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ
يقول تعالى ذكره للذين نهاهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه ، من فرائض لم يفرضها الله عليهم ، وتحليل أمور لهم يحللها لهم ، وتحريم أشياء لم يحرمها عليهم قبل نزول القرآن بذلك : أيها المؤمنون السائلون عما سألوا عنه رسولي مما لم أنزل به كتابا ولا حيا ، لا تسألوا عنه ، فإنكم إن أظهر ذلك لكم تبيان بوحي وتنزيل ساءكم ؛ لأن التنزيل بذلك إذا جاءكم إنما يجيئكم بما فيه امتحانكم واختباركم ، إما بإيجاب عمل عليكم ، ولزوم فرض لكم ، وفي ذلك عليكم مشقة ولزوم مؤنة وكلفة ؛ وإما بتحريم ما لو لم يأتكم بتحريمه وحي كنتم من التقدم عليه في فسحة وسعة ؛ وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمه ، وفي ذلك لكم مساءة لنقلكم عما كنتم ترونه حقا إلى ما كنتم ترونه باطلا ، ولكنكم إن سألتم عنها بعد نزول القرآن بها وبعد ابتدائكم شأن أمرها في كتابي إلى رسولي إليكم ، بين لكم ما أنزلته إليه من إتيان كتابي وتأويل تنزيلي ووحيي وذلك نظير الخبر الذي روي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي : حدثنا به هناد بن السري ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن داود بن أبي هند ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبة الخشني ، قال : " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها " . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء ، قال : كان عبيد بن عمير يقول : إن الله تعالى أحل وحرم ، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه ، وترك من ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها فذلك عفو من الله عفاه ثم يتلو :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا الضحاك ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء ، عن عبيد بن عمير ، أنه كان يقول : إن الله حرم وأحل ، ثم ذكر نحوه . وأما قوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْها
فإنه يعني به : عفا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التي سألتم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها ، أن يؤاخذكم بها ، أو يعاقبكم عليها ، إن عرف منها توبتكم وإنابتكم .
وَاللَّهُ غَفُورٌ
يقول : والله ساتر ذنوب من تاب منها ، فتارك أن يفضحه في الآخرة
حَلِيمٌ
أن يعاقبه بها لتغمده التائب منها برحمته وعفوه ، عن عقوبته عليها . وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس الذي ذكرناه آنفا . وذلك ما : حدثني به محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ
إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك ، ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن ، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه . القول في تأويل قوله تعالى :
قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ
يقول تعالى ذكره : قد سأل الآيات قوم من قبلكم : فلما آتاهموها الله ، أصبحوا بها جاحدين منكرين أن تكون دلالة على حقيقة ما احتج بها عليهم ، وبرهانا على صحة ما جعلت برهانا على تصحيحه ، كقوم صالح الذين سألوا الآية ؛ فلما جاءتهم الناقة آية عقروها ، وكالذين سألوا عيسى مائدة تنزل عليهم من السماء : فلما أعطوها كفروا بها وما أشبه ذلك ، فحذر الله تعالى المؤمنين بنبيه صلى الله عليه وسلم أن يسلكوا سبيل من قبلهم من الأمم التي هلكت بكفرهم بآيات الله لما جاءتهم عند مسألتهموها ، فقال لهم : لا تسألوا الآيات ، ولا تبحثوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ، فقد سأل الآيات من قبلكم قوم ؛ فلما أوتوها أصبحوا بها