فقال بعضهم : جعل الله ذلك في الجاهلية قياما للناس كلهم . وقال بعضهم : بل عنى به العرب خاصة .
وبمثل الذي قلنا في تأويل القوام قال أهل التأويل . ذكر من قال : عنى الله تعالى بقوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ
القوام على نحو ما قلنا : حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال :
أخبرنا من سمع خصيفا يحدث عن مجاهد في :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ
قال : قواما للناس . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير :
قِياماً لِلنَّاسِ
قال : صلاحا لدينهم . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا داود ، عن ابن جريج ، عن مجاهد في :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ
قال : حين لا يرجون جنة ولا يخافون نارا ، فشدد الله ذلك بالإسلام . حدثني هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، عن إسرائيل ، عن أبي الهيثم ، عن سعيد بن جبير ، قوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ
قال : شدة لدينهم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن أبي الهيثم ، عن سعيد بن جيير ، مثله . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ
قال : قيامها أن يأمن من توجه إليها . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال :
ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
يعني قياما لدينهم ، ومعالم لحجهم . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
جعل الله هذه الأربعة قياما للناس ، هو قوام أمرهم . وهذه الأقوال وإن اختلفت من قاتلها ألفاظها ، فإن معانيها آئلة إلى ما قلنا في ذلك من أن القوام للشيء هو الذي به صلاحه ، كالملك الأعظم قوام رعيته ومن في سلطانه ، لأنه مدبر أمرهم وحاجز ظالمهم عن مظلومهم والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم . وكذلك كانت الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية ، وهي في الإسلام لأهله معالم حجهم الحج ومناسكهم ومتوجههم لصلاتهم وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا جامع بن حماد ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
الحج حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية ؛ فكان الرجل لوجر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب . وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه . وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس ، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من لحاء السمر ، فمنعته من الناس حتى يأتي أهله ؛ حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية .
حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
قال : كان الناس كلهم فيهم ملوك تدفع بعضهم عن بعض .
قال : ولم يكن في العرب ملوك تدفع بعضهم عن بعض ، فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قياما يدفع بعضهم عن بعض به ، والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد . قال :
ويلقي الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له الحج . وهذا كله قد نسخ . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
وَالْقَلائِدَ
كان ناس يتقلدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحج ، فيعرفون بذلك . وقد أتينا على البيان عن ذكر الشهر الحرام والهدي والقلائد فيما مضى الحج . بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
يعني تعالى ذكره بقوله :
ذلِكَ
تصييره