لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
قال : إنما الدين بصره وسمعه في هذا القلب . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
أي بينة . وقوله :
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ
يقول : فمن تبين حجج الله وعرفها وأقر بها وآمن بما دلته عليه من توحيد الله وتصديق رسوله وما جاء به ، فإنما أصاب حظ نفسه ولنفسه عمل ، وإياها بغى الخير .
وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها
يقول : ومن لم يستدل بها ولم يصدق بما دلته عليه من الإيمان بالله ورسوله وتنزيله ، ولكنه عمي عن دلالتها التي تدل عليها ، يقول : فنفسه ضر وإليها أساء لا إلى غيرها . وأما قوله :
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
يقول : وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم ، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم ، والله الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
يقول تعالى ذكره : كما صرفت لكم أيها الناس الآيات والحجج في هذه السورة وبينتها ، فعرفتكموها في توحيدي وتصديق رسولي وكتابي ووصيتكم عليها ، فكذلك أبين لكم آياتي وحججي في كل ما جهلتموه فلم تعرفوه من أمري ونهيي . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ
لهؤلاء العادلين بربهم ، كما صرفتها في هذه السورة ، ولئلا يقولوا :
درست . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والكوفة :
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
يعني قرأت أنت يا محمد ؛ بغير ألف . وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين منهم ابن عباس على اختلاف عنه فيه ، وغيره وجماعة من التابعين ، وهو قراءة بعض قراء أهل البصرة : " وليقولوا دارست " بألف ، بمعنى :
قارأت وتعلمت من أهل الكتاب . وروى عن قتادة أنه كان يقرؤه : " درست " بمعنى : قرئت وتليت . وعن الحسن أنه كان يقرؤه : " درست " بمعنى : انمحت . وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه :
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
بتأويل : قرأت وتعلمت ؛ لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
فهذا خبر من الله ينبئ عنهم أنهم كانوا يقولون : إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره . فإذ كان ذلك كذلك ، فقراءة :
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
يا محمد ، بمعنى : تعلمت من أهل الكتاب ، أشبه بالحق وأولى بالصواب من قراءة من قرأه : " دارست " بمعنى : قارأتهم وخاصمتهم ، وغير ذلك من القراءات . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على قدر اختلاف القراءة في قراءته . ذكر من قال ذلك
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
من المتقدمين ، وتأويله بمعنى : تعلمت وقرأت . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، قال : ثنا علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس :
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
قالوا : قرأت وتعلمت ؛ تقول ذلك قريش . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد :
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
قال : قرأت وتعلمت . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسرائيل وافقه ، عن أبي إسحاق ، عن