تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
قال : فجأة آمنين . وأما قوله :
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
فإنهم هالكون ، منقطعة حججهم ، نادمون على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلهم . كالذي : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
قال : فإذا هم مهلكون متغير حالهم . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا شيخ ، عن مجاهد :
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
قال : فإذا هم مهلكون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
قال : المبلس : الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه ، والمبلس أشد من المستكين ، وقرأ :
فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ
وكان أول مرة فيه معاتبة وتقية ، وقرأ قول الله :
فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا
حتى بلغ :
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
ثم جاء أمر ليس فيه تقية ، وقرأ :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
فجاء أمر ليس فيه تقية ، وكان الأول لو أنهم تضرعوا كشف عنهم . حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال : ثنا بقية بن الوليد ، عن أبي شريح ضبارة بن مالك ، عن أبي الصلت ، عن حرملة أبي عبد الرحمن ، عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيت الله يعطي عبده في دنياه ، إنما هو استدراج " ثم تلا هذه الآية :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ
إلى قوله :
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. وحدثت بهذا الحديث عن محمد بن حرب ، عن ابن لهيعة ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : وإذا رأيت الله تعالى يعطي العباد ما يسألون على معاصيهم إياه ، فإنما ذلك استدراج منه لهم " ثم تلا :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
الآية . وأصل الإبلاس في كلام العرب عند بعضهم : الحزن على الشيء والندم عليه . وعند بعضهم : انقطاع الحجة والسكوت عند انقطاع الحجة . وعند بعضهم : الخشوع ، وقالوا : هو المخذول المتروك ، ومنه قول العجاج :
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا
فتأويل قوله : " وأبلسا " عند الذين زعموا أن الإبلاس : انقطاع الحجة والسكوت عنده ، بمعنى : أنه لم يحر جوابا . وتأوله الآخرون بمعنى الخشوع ، وترك أهله إياه مقيما بمكانه . والآخرون : بمعنى الحزن والندم ، يقال منه : أبلس الرجل إبلاسا ، ومنه قيل لإبليس : إبليس . القول في تأويل قوله تعالى :
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يعني تعالى ذكره بقوله :
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
فاستؤصل القوم الذين عتوا على ربهم وكذبوا رسله وخالفوا أمره عن آخرهم ، فلم يترك منهم أحد إلا أهلك بغتة ، إذ جاءهم عذاب الله وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
يقول : فقطع أصل الذين ظلموا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
. قال : استؤصلوا . ودابر القوم : الذي يدبرهم ، وهو الذي يكون في أدبارهم وآخرهم ، يقال في الكلام : قد دبر القوم فلان يدبرهم دبرا ودبورا إذا كان آخرهم ، ومنه قول أمية :
فاهلكوا بعذاب حص دابرهم * فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يقول : والثناء الكامل ، والشكر التام لله رب العالمين على إنعامه على رسله وأهل طاعته ، بإظهار حججهم على من خالفهم من أهل الكفر ، وتحقيق عداتهم ما وعدوهم على