حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن سعيد ، عن مسروق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
قال ابن عباس : موت البهائم حشرها . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
قال : يعني بالحشر : الموت . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد ، قال : ثنا عبيد بن سليم ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
يعني بالحشر : الموت . وقال آخرون : الحشر في هذا الموضع يعني به الجمع لبعث الساعة وقيام القيامة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال :
ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، في قوله :
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
قال : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم ، والدواب ، والطير ، وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ، ثم يقول : كوني ترابا ، فلذلك يقول الكافر :
يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
. حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن الأعمش ، ذكره عن أبي ذر قال : بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ انتطحت عنزان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتدرون فيما انتطحتا " ؟
قالوا : لا ندري ، قال : " لكن الله يدري ، وسيقضي بينهما " . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق بن سليمان ، قال : ثنا مطر بن خليفة ، عن منذر الثوري ، عن أبي ذر قال : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : " يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا " ؟ قلت : لا ، قال : " لكن الله يدري وسيقضي بينهما " . قال أبو ذر : لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى أخبر أن كل دابة وطائر محشور إليه ، وجائز أن يكون معنيا بذلك حشر القيامة ، وجائز أن يكون معنيا به حشر الموت ، وجائز أن يكون معنيا به الحشران جميعا . ولا دلالة في ظاهر التنزيل ولا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أي ذلك المراد بقوله :
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
إذ كان الحشر في كلام العرب : الجمع ، ومن ذلك قول الله تعالى :
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ
يعني مجموعة . فإذ كان الجمع هو الحشر وكان الله تعالى جامعا خلقه إليه يوم القيامة وجامعهم بالموت ، كان أصوب القول في ذلك أن يعم بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها ، وأن يقال : كل دابة وكل طائر محشور إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة ، إذ كان الله تعالى قد عم بقوله :
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
ولم يخصص به حشرا دون حشر . فإن قال قائل : فما وجه قوله :
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
وهل يطير الطائر إلا بجناحيه ؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة ؟ قيل : قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى أنزل هذا الكتاب بلسان قوم وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم ، فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا : كلمت فلانا بفمي ، ومشيت إليه برجلي ، وضربته بيدي ؛ خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم ويستعملونه في خطابهم ، ومن ذلك قوله تعالى :
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
. القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
. يقول تعالى ذكره : والذين كذبوا بحجج الله وأعلامه وأدلته ، صم عن سماع الحق بكم عن القيل به
فِي الظُّلُماتِ
يعني : في ظلمة الكفر حائر فيها ، يقول : هو مرتطم في ظلمات الكفر ، لا يبصر آيات الله فيعتبر بها ، ويعلم أن الذي خلقه وأنشأه فدبره وأحكم تدبيره وقدره أحسن تقدير وأعطاه القوة وصحح له آلة جسمه ، لم يخلقه عبثا ولم يتركه سدى ، ولم يعطه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعته وما يرضيه دون